دراسة
الأنونا والأنوناكي: ما الذي تقوله النصوص فعلاً؟
دراسة تعرض قراءة مطولة في موضوع، مع الشواهد والمراجع.
- في الخط الزمني
- من 2200 قبل الميلاد إلى 2015 ميلادي
الاسم والعضوية والعدد والعالم السفلي وخلق البشر: قراءة للشواهد الرافدية تفصلها عن نيبيرو ذي المدار المزعوم والذهب والهندسة الجينية في رواية سيتشن الحديثة.
مشاركة المقال
النص
قليل من أسماء بلاد الرافدينبلاد الرافدينإقليم تاريخي مرتبط بنهري دجلة والفرات، شمل مجتمعات وحضارات متعددة.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح القديمة ابتعد في الثقافة الشعبية الحديثة عن معناه الأصلي بقدر اسم الأنوناكيالأنونا / الأنوناكياسم جماعي لآلهة في نصوص رافدية؛ تتغير دلالته وعضويته، وأقدم شواهده المعروفة من أواخر الألف الثالث ق.م.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح.
اليوم، يستطيع الباحث عن الكلمة على الإنترنت أن يجد قصة كاملة تبدو للوهلة الأولى وكأنها ترجمة مباشرة للألواح السومرية.
كائنات جاءت من كوكب يسمى نيبيرونيبيرو: العبور والاسم الفلكيلفظ أكدي يرتبط بالعبور، ويستخدم فلكياً للمشتري في بعض السياقات ولنيبيرو المرتبط بمردوخ. لا تثبت الشواهد المذكورة كوكباً مأهولاً يعود كل 3600 سنة.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح. يدور كوكبها حول الشمس كل 3600 سنة. وصلت إلى الأرض بحثاً عن الذهب. تمرد عمالها. فأجرى علماؤها تعديلاً وراثياً على كائنات أرضية وصنعوا الإنسان ليعمل في المناجم. ثم تدخل هؤلاء في تاريخ الحضارة، وأسسوا الممالك، وربما تركوا وعداً بالعودة. المشكلة أن هذه القصة، بهذه الصورة، ليست ما تقوله النصوص المسماريةالكتابة المسماريةكتابة بعلامات إسفينية تطورت من تقاليد التسجيل في بلاد الرافدين، واستُعملت لكتابة لغات متعددة منذ الألف الثالث ق.م.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح.
الأنونا والأنوناكي حقيقيون تماماً من حيث وجود الاسم في المصادر الرافدية. ونيـبيرو حقيقي تماماً من حيث وجود الكلمة في النصوص الفلكية والدينية. وخلق البشر لخدمة الآلهة موضوع حقيقي في الأساطير الرافدية. والدم الإلهي يدخل بالفعل في إحدى قصص خلق الإنسان.
لكن عندما توضع هذه العناصر القديمة إلى جانب بعضها بطريقة معينة، ثم تضاف إليها مركبات فضائية وكوكب خفي ومناجم ذهب وهندسة جينية، نحصل على رواية حديثة مختلفة عن الرواية الموجودة على الألواح.
ولفهم الفرق، يجب أن نبدأ من الاسم نفسه.[12][13]
الأنونا أولاً، لا الأنوناكي
الصيغة الأقدم في النصوص السومرية هي أنونا — Anunna.
قوائم فارا وأبو صلابيخ في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد أقدم من أقدم الشواهد التي يوردها مدخل ORACC لتسمية الأنونا. كانت أسماء كبار الآلهة معروفة قبل هذا الاسم الجماعي؛ تاريخ أول شاهد باقٍ لا يساوي بالضرورة تاريخ ولادة الفكرة.
بحسب مدخل ORACC، تظهر أقدم الشواهد المذكورة للأنونا في الفترة التالية للعصر الأكدي، ولا سيما بعض نقوش كودياكودياحاكم لكش في أواخر الألف الثالث ق.م؛ تحفظ نقوشه شواهد على بناء المعابد واستعمال اسم الأنونا.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح، حاكم لكش في أواخر الألف الثالث ق.م، وقليل من نصوص أور الثالثة، نحو 2112–2004 ق.م وفق التأريخ المتوسط. تأريخ كوديا المطلق موضع نقاش.
وتستمر الصيغ الأكديةالأكاديةلغة سامية شرقية قديمة استُعملت في بلاد الرافدين منذ الألف الثالث ق.م، وتظهر فيها كلمة «إيلو» بمعنى إله.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح اللاحقة Anunnaku / Anunnaki بعد ذلك حتى العصور المتأخرةالأزمنة القديمة المتأخرةإطار تاريخي لتحولات أواخر العالم القديم؛ حدوده تختلف باختلاف المنطقة والموضوع.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح، بما فيها العصر السلوقي.
وهذه البداية الزمنية مهمة جداً. فآن وإنليلإنليلإله رافدي بارز ارتبط بنيبور ومعبد إيكور؛ تظهر مكانته العالية في نصوص العصر السلالي المبكر، قبل أقدم ذكر معروف للأنونا.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح وإنكيإنكيإله رافدي يرتبط بالمياه العذبة العميقة والحكمة وأريدو، ويعرف باسم إيا في التقليد الأكادي. أقدم ذكر مكتوب محفوظ لا يؤرخ وحده لبداية عبادته؛ لا يثبت اسمه هوية معبود أريدو العُبيدية.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح وإناناإنانا / عشتارإلهة رافدية بارزة ذات مركز رئيسي في أوروك؛ تتنوع أنسابها وتقاليد عبادتها، فلا تمثل شجرة نسب واحدة ثابتة.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح ونانا وأوتو وغيرهم أقدم في السجل المكتوب من تسمية الأنونا نفسها. إذن الأنونا ليسوا الجيل الأول الذي بدأت منه ديانة بلاد الرافدين. الاسم ظهر لاحقاً بوصفه تصنيفاً لجماعة من الآلهة الموجودة أصلاً.[1]
ومتى يظهر اسم «الأنوناكي»؟
هنا يوجد فرق لغوي يجب ألا يتحول إلى فرق أسطوري مصطنع. Anunna هي الصيغة السومرية الأساسية. أما Anunnaku / Anunnaki فهي صيغ أكادية للاسم نفسه.
أي أننا لا نتعامل بالضرورة مع جماعتين مختلفتين، واحدة اسمها الأنونا وأخرى وصلت لاحقاً اسمها الأنوناكي.
بحلول العصر البابلي القديم في أوائل الألف الثاني قبل الميلاد نجد الصيغة الأكدية مستخدمة بوضوح. ومن أجمل الشواهد مقدمة شريعة حمورابيمجموعة قوانين حمورابينص قانوني بابلي من القرن الثامن عشر ق.م، باللغة الأكادية، يعرض أحكام الملكية والأسرة والعمل والإصابات ضمن خطاب حمورابي عن العدالة.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح في القرن الثامن عشر ق.م، حيث يرد آنوآن / آنوإله السماء السومري/الأكادي؛ العلامة AN متعددة الوظائف، فلا تثبت وحدها الإشارة إليه في النصوص الأولى.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح بوصفه «ملك الأنوناكي». وقاعدة CDLI تعرض النص الأكدي نفسه في مطلع شريعة حمورابي، وفيه šar Anunnakī، أي «ملك الأنوناكي». إذن «الأنوناكي» ليس اسماً كشفه العصر الحديث. هو شكل أكدي قديم وحقيقي.
لكن السؤال ليس هل الكلمة موجودة. السؤال هو ماذا كانت تعني عندما كتبها أهل بلاد الرافدين؟
في šar Anunnakī، الصيغة Anunnakī مجرورة في التركيب الأكدي بعد «ملك». لا يبيح هذا المقطع فصل -ki بوصفه كلمة سومرية مستقلة تعني الأرض ثم تركيب جملة فضائية منه.[2]
ماذا يعني الاسم؟
المعنى الدقيق للكلمة نوقش طويلاً بين علماء السومريات والآشوريات، ولذلك لا ينبغي تقديم اشتقاق واحد وكأنه معادلة يقينية.
لكن ORACC تلخص أحد أقوى المقترحات بمعنى قريب من «ذوو النسل الأميري» أو «الذين من أصل أو بذرة أميرية». وتعرض الصيغ السومرية مثل a-nun-na، والصيغ الأكدية مثل a-nun-na-ki وAnunnaku. وهنا يظهر أول اختلاف جذري عن الرواية المنتشرة. لا يقدم علم اللغة الأكادي والسومري المعتمد ترجمة الاسم على أنه «الذين من السماء إلى الأرض جاءوا».
هذه العبارة ارتبطت بقوة بأعمال زكريا سيتشن وبالأدبيات التي بُنيت عليها لاحقاً، وليست الترجمة التي تقدمها المعاجم والدراسات المتخصصة للكلمة.
بل إن تقسيم كلمة Anunnaki إلى أجزاء ثم التعامل مع المقطع الأخير كما لو أنه ببساطة الكلمة السومرية KI = الأرض وإنتاج جملة «من السماء إلى الأرض» لا يطابق الطريقة التي تحلل بها المصادر الأكاديمية الاسم.
في النصوص نحن أمام اسم جماعي للآلهة، لا جملة تصف رحلة فضائية.[1][13]
هل كان آن أباهم؟
أحياناً، نعم.
تذكر المصادر أن آن/آنو يمكن أن يظهر بوصفه أبا الأنونا، كما توجد نصوص تصور العلاقات بين بعض أفراد الجماعة بلغة الأخوة والأخوات.
لكن حتى هذه الصورة لا تعطينا شجرة عائلة واحدة ثابتة.
فالأنونا اسم يمكن أن يشمل جماعات مختلفة من الآلهة بحسب النص والمدينة والعصر، ولذلك لا يمكن إعداد قائمة واحدة نقول إنها «الأعضاء الرسميون للأنوناكي» في جميع أنحاء بلاد الرافدين.
وتشير ORACC إلى أن العلاقات النسبية تختلف باختلاف الآلهة التي تدخل تحت التصنيف، وأن آن يوصف أحياناً بالأب، لكنه ليس أساساً لقائمة ثابتة لا تتغير.
وهذا ينسجم مع طبيعة الدين الرافدي نفسه. بانثيون أريدوأريدوموقع أبو شهرين في جنوب العراق، ذو تسلسل معماري طويل يبدأ قبل الكتابة. ارتبط بإنكي في الأزمنة التاريخية، لكن هذا لا يثبت هوية الكائن المقدس في أقدم طبقاته.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح ليس مطابقاً لبانثيون لكش. والإله الذي يقع في مركز تقليد محلي قد يكون أقل بروزاً في مدينة أخرى. لذلك كان ممكناً استخدام تعبيرات من نوع أنونا أريدو وأنونا لكش.
أي أن الاسم يمكن أن يشير إلى مجموعة الآلهة الكبرى التابعة لعالم ديني محلي، لا إلى منظمة كونية مغلقة لها أعضاء معروفون لا يتغيرون.[1]
كم كان عدد الأنوناكي؟
لا يوجد رقم واحد.
وهذه وحدها كافية لإظهار خطأ كثير من القوائم الحديثة التي تقدم «الأنوناكي الاثني عشر» أو «الأنوناكي السبعة» وكأن النصوص اتفقت على مجلس ثابت.
في أحد النصوص نجد خمسين من أنونا أريدو. وفي نص سومري آخر، «نزول إنانا إلى العالم السفلي»، يظهر سبعة من الأنونا بوصفهم قضاة.
وهذا لا يعني بالضرورة أن عدد الأنونا الكلي سبعة، بل إن سبعة منهم يؤدون وظيفة القضاء في ذلك المشهد.
ثم في إنوما إيليشإنوما إيليشتركيب أدبي أكدي بابلي يمجد صعود مردوخ وينظم الكون والمجتمع الإلهي. خلق البشر في اللوح VI ونيبيرو في VII؛ لا تكفي إحالة إلى اللوح I لإثبات هذه المواضع.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح نجد عدداً مختلفاً تماماً.
في اللوح VI، الأسطر 39–46، يوزع مردوخمردوخإله بابل، ارتفعت مكانته مع تاريخ المدينة. إنوما إيليش تمجد صعوده وتنظيمه العالم، وتربطه نصوص بنيبيرو والمشتري. لا نختزل أصله ووظيفته الأولى في تخمين اشتقاقي.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح الأنوناكي في الأعلى والأسفل: يذكر النص ثلاثمئة في السماء وستمئة في السماء والأرض معاً. تلخص ORACC ذلك بثلاثمئة في كل مجال؛ وتفهم ترجمة هايدل «الأرض» هنا بوصفها العالم السفلي. ينبغي التمييز بين لفظ الترجمة وشرح التقسيم.
وتذكر ORACC الأمثلة نفسها لتوضيح أن عدد الأنونا وعضويتهم لم يكونا ثابتين. وجود سبعة هنا، وخمسين هناك، وستمئة في نص آخر لا يعني أن الكاتب القديم أخطأ في العد. بل يعني أن الاسم لم يكن رقماً. كان تصنيفاً مرناً.[1][3][8]
من كانوا إذن؟
في المصادر السومرية يستطيع اسم الأنونا أن يشير بصورة عامة إلى كبار الآلهة في البانثيون.
وفي نص «إنكي وتنظيم العالم»، مثلاً، يوصف الأنونا بأنهم الآلهة العظام، ويظهرون في سياق تقرير المصائر.
وفي موضع آخر من النص نفسه يصف إنكي نفسه بأنه قائد الأنونا. لكن ذلك لا يعني أن جميع كبار الآلهة يدخلون دائماً في المجموعة بالطريقة نفسها. في مقدمة شريعة حمورابي يكون آنو ملك الأنوناكي. وفي تقاليد أخرى يظهر إنليل أو إنكي بعلاقة قيادية معهم. وفي أريدو يمكن الحديث عن أنونا أريدو. إنها أقرب إلى عبارة من نوع «مجمع الآلهةمجمع الآلهةمجموع الآلهة التي تنتمي إلى نظام ديني واحد، وما بينها من مراتب ووظائف وعلاقات.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح الكبرى» من كونها اسماً لقومية أو جنس.[4][2]
هل كان لهم معبد خاص؟
لا نعرف معبداً مستقلاً كبيراً يمكن أن يقال إنه معبد الأنوناكي بوصفهم جماعة واحدة. وتقترح ORACC سبباً بسيطاً لذلك. فالآلهة الداخلة تحت هذا التصنيف كانت تمتلك معابدها الخاصة في مدن مختلفة. إنكي له أريدو. إنليل له نيبورنيبور / نُفّرمدينة رافدية ومركز رئيسي لعبادة إنليل؛ ترتبط مكانتها الدينية بشرعية ملوك من مدن أخرى.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح. نانا له أور. إنانا لها أوروكأوروكمدينة قديمة في الوركاء بجنوب العراق، أصبحت مركزاً حضرياً كبيراً نحو 3200 ق.م وحفظت ألواحاً مبكرة للكتابة والحساب.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح ومراكز أخرى.
أي أن «الأنونا» لا يظهرون كتجمع يسكن معبداً واحداً على غرار كيان إلهي واحد له صنم ومذبح وكهنوت منفصل.
بل حتى من ناحية الصور، لا توجد لدينا صورة أثرية مؤكدة نستطيع أن نشير إليها ونقول هذه صورة جماعية للأنوناكي. لدينا بالطبع صور للآلهة الرافدية منفردة أو مجتمعة.
لكن تحويل أي ختم أسطواني يظهر عدداً من الشخصيات الإلهية إلى «صورة الأنوناكي» يحتاج إلى دليل يحدد هوية المجموعة، وهذا غير متوافر في معظم الصور المنتشرة بهذا الوصف.
قلة الشواهد لا تعني انعدام القرابين: يلفت مدخل ORACC نفسه إلى نصوص إدارية من أور الثالثة تشير إلى تقديم قرابين للأنونا، مع بقاء الأدلة محدودة. عدم معرفة معبد جماعي مستقل ليس نفياً لكل عبادة.[1]
الأنوناكي والعالم السفلي
هناك فكرة أخرى منتشرة تقول إن الأنوناكي كانوا حصراً آلهة العالم السفلي. هذه أيضاً نصف حقيقة إذا نزعت من تاريخها. في المصادر السومرية الأقدم، الأنونا ليسوا محصورين في العالم السفلي. إنهم قادرون على تمثيل كبار آلهة البانثيون، وتحديد المصائر، والارتباط بمدن مختلفة. لكن علاقتهم بالعالم السفلي موجودة بالفعل في بعض النصوص. في نزول إنانا إلى العالم السفلي يظهر الأنونا السبعة، القضاة
ويصدرون الحكم على إنانا. النص السومري نفسه يصفهم بهذه الوظيفة القضائية بوضوح. وفي الفترات اللاحقة تزداد صلة الأنوناكي بالعالم السفلي.
وتشير ORACC إلى أن معنى المصطلح تغير بعد العصر البابلي القديم، فأصبح في بعض التقاليد يستخدم بصورة أوضح للآلهة السفلى، في مقابل جماعة الإيغيغيالإيغيغياسم جماعي لآلهة في مصادر أكدّية، معروف منذ العصر البابلي القديم؛ علاقته بالأنوناكي تختلف بحسب النص.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح التي يمكن أن ترتبط بالآلهة السماوية.
لكن حتى هنا لا ينبغي تحويل الأمر إلى قانون دائم. المصادر نفسها متغيرة. وفي بعض النصوص تتداخل وظائف الأنونا والإيغيغي، وفي نصوص أخرى يكون الفرق أوضح. إذن لا توجد عبارة واحدة من نوع الأنوناكي هم آلهة السماء أو الأنوناكي هم آلهة العالم السفلي تصلح لكل الألفين الثالث والثاني والأول قبل الميلاد. المعنى تحرك مع الزمن.[1][3][5]
الأنوناكي والإيغيغي
تزداد المسألة تعقيداً حين يدخل الإيغيغي — Igigi. الاسم يظهر في المصادر الأكدية منذ العصر البابلي القديم، وعلاقته بالأنوناكي تختلف بحسب النص. في أتراحاسيسأتراحاسيس: الملحمة وبطلهاملحمة أكادية عن خلق البشر للعمل للآلهة ثم تكاثرهم وضجيجهم والطوفان. أتراحاسيس، «فائق الحكمة»، ينجو بتحذير إنكي؛ تُنظم الحياة والتكاثر بعد الكارثة.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح يبدأ العالم قبل وجود البشر والآلهة تقوم بالأعمال الشاقة. ويقول النص إن الأنوناكي السبعة الكبار جعلوا الإيغيغي يحملون عبء العمل. فيتمرد الإيغيغي في النهاية على العمل القاسي.
ومن هذه الأزمة يأتي قرار خلق البشر لكي يحملوا جزءاً من العمل الذي أثقل الآلهة. وهذا مهم جداً لأن روايات الإنترنت كثيراً ما تحول هذا المشهد إلى عمال أنوناكي في مناجم الذهب تمردوا على قادتهم.
لكن في نص أتراحاسيس نفسه، الجماعة التي تحمل العمل في بداية القصة هي الإيغيغي، بينما يشرف الأنوناكي الكبار على النظام.
والعمل الذي يصفه التقليد يتعلق بأعمال العالم والري وحفر المجاري وحمل أعباء الآلهة، لا برحلة فضائية لاستخراج الذهب من أفريقيا.
إذن توجد في النص بالفعل آلهة تعمل، وتمرد على العمل، وخلق للبشر ليحملوا العمل. لكن هذه العناصر القديمة ليست القصة الحديثة نفسها.[5]
خلق الإنسان فعلاً من أجل العمل
هنا توجد واحدة من النقاط التي تجعل رواية الأنوناكي الحديثة مقنعة لمن يقرأها لأول مرة. لأن جزءاً من أساسها موجود بالفعل في النصوص. في الأسطورة الرافدية، الإنسان لا يُخلق دائماً لمجرد أن الآلهة أرادت مخلوقاً تحبه. في أتراحاسيس يُخلق البشر كي يتحملوا العمل الذي كان يقع على الآلهة. وتشرح المصادر الأكاديمية أن الإلهة الأم ننتور/ننتو تصنع الإنسان من الطين المختلط بدم إله مقتول.
أما الغاية فهي تخفيف عبء العمل الإلهي. وتوجد الفكرة نفسها بصيغة أخرى في إنوما إيليش.
في اللوح VI من إنوما إيليش، الأسطر 1–8 و29–38، يُخلق الإنسان ليتحمل خدمة الآلهة. يخطط مردوخ ويؤدي إيا فعل الخلق من دم كينغوكينغوقائد قوات تيامات، ودمه مادة خلق البشر في إنوما إيليش.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح. توثق ترجمة هايدل المقاطع نفسها، لا صفحة اللوح الأول وحدها.
إذن القول «الإنسان خُلق في بعض الأساطير الرافدية لكي يعمل بدلاً من الآلهة» صحيح. لكن إضافة كلمة واحدة تغير القصة جذرياً «لكي يعمل في مناجم الذهب». هذه الإضافة ليست ما تقوله رواية أتراحاسيس.[5][6][7][8]
والدم الإلهي موجود فعلاً
حتى فكرة مزج شيء إلهي بالإنسان ليست اختراعاً حديثاً بالكامل. في أتراحاسيس يُذبح إله، ثم يُمزج دمه بالطين الذي يُخلق منه الإنسان. ولهذا يحمل الإنسان، في منطق الأسطورة، مكوناً أرضياً من الطين ومكوناً آتياً من الإله. وهذه صورة أسطورية مذهلة بحد ذاتها. لكن النص لا يقول DNA. ولا كروموسومات. ولا جينات. ولا مختبراً. ولا تلقيحاً صناعياً. ولا مزج حمض نووي لأنوناكي مع Homo erectus.
الدراسة المتخصصة للمعتقدات الرافدية تسجل ما يقوله النص فعلاً الطين + دم الإله المقتول + عمل إلهة الخلق. أن يقرأ إنسان في القرن العشرين «دم الإله» ثم يقترح أنه رمز للحمض النووي هو تفسير حديث للنص. لكنه ليس ترجمة لكلمة أكادية تعني DNA. وهذا الفرق يجب أن يبقى واضحاً.
الصورة التالية شاهد مادي على تداول تقليد أتراحاسيس: قطعة متروبوليتان 86.11.378a من نحو القرنين السابع–السادس ق.م. إنها نسخة متأخرة، ولا تعرض موضع خلق الإنسان الذي نناقشه هنا ولا تمثل صورة للأنوناكي.[15][6][7]
أين يدخل نيبيرو؟
هنا نصل إلى أشهر جزء من الرواية الحديثة. نيبيرو — Nēbiru كلمة حقيقية في اللغة الأكدية. لكن معناها الأساسي لا يدل على «كوكب الأنوناكي». المعاجم المسمارية في ORACC تسجل للكلمة معاني مثل المعبر موضع العبور المخاضة العبّارة كما يمكن أن تستخدم اسماً فلكياً، وفي بعض النصوص تدل على المشتري. أي أن معنى الاسم نفسه مرتبط بفكرة العبور. وهذا ينسجم مع الاستعمال الفلكي.
فالجرم الذي يؤدي وظيفة معينة في السماء أو يمثل نقطة عبور يستطيع أن يسمى نيبيرو. لكن هوية نيبيرو الفلكية نفسها ليست ثابتة في جميع النصوص بالبساطة التي يحبها السرد الشعبي.[9]
نيبيرو والمشتري ومردوخ
نشر إيمانويل فريدمان دراسة «نجم مردوخ نيبيرو» في Cuneiform Digital Library Bulletin 2015:3. تحديد الاسم الفلكي معقد؛ الورقة تقدم فرضية تفسيرية، لا إجماعاً نهائياً.
توضح الدراسة أن النصوص تربط نيبيرو بصورة قوية بمردوخ، وأن بعض المصادر تسمي المشتري نيبيرو عندما يحتل وضعاً فلكياً معيناً.
ويقترح فريدمان، على وجه التحديد، أن أي جرم مرئي يعمل علامةً للاعتدال يمكن أن يحمل الاسم في السياق المناسب. هذه فرضيته؛ أما ارتباط نيبيرو بالمشتري ومردوخ في بعض الشواهد فهو أمر نصي يمكن فحصه مستقلاً عنها.
وهذا فرق أساسي. في النصوص البابلية لدينا مفهوم فلكي وديني مرتبط بمردوخ وحركة الأجرام.
أما «كوكب بعيد وراء الكواكب المعروفة، يعود إلى جوار الأرض كل 3600 سنة وتحيا عليه حضارة الأنوناكي» فهي قصة مختلفة.[10][16]
نيبيرو في إنوما إيليش
يظهر الاسم أيضاً في إنوما إيليش، ملحمة الخلق البابلية التي تمجد صعود مردوخ. في اللوح السابع، ضمن سلسلة أسماء وألقاب مردوخ، يظهر نيبيرو مرتبطاً به. أي أن نيبيرو هنا ليس «وطن مردوخ» ولا الكوكب الذي جاء منه. إنه أحد أسمائه أو تجلياته ووظائفه في بناء كوني وفلكي يضع مردوخ في مركز النظام البابلي. وتكشف المصادر الفلكية الأخرى العلاقة نفسها بين مردوخ والمشتري ونيبيرو.
إذن حين تقرأ كلمة Nibiru في نص بابلي، لا يمكن استبدالها تلقائياً بعبارة «كوكب الفضائيين». يجب أولاً أن نعرف النص والعصر والسياق الفلكي الذي وردت فيه.
تُراجع هذه الأبيات في اللوح VII، الأسطر 124–132، في ترجمة هايدل، ص 59. الإحالة إلى نص محدد تحفظ الفرق بين الاسم في السياق وبين تفسيره لاحقاً.[8][10]
وماذا عن الرقم 3600؟
الرقم 3600 موجود بالفعل في النظام العددي السومري.
هناك قيمة عددية تسمى šar₂ تساوي 3600، لأن النظام العددي الرافدي يقوم بدرجة كبيرة على أساس ستيني، و3600 تساوي 60 × 60.
يسجل ePSD2 القيمة العددية 3600 للفظ السومري šar₂šar₂: القيمة العددية 3600لفظ سومري عددي بقيمة 3600، أو 60×60. لا يعني العدد وحده سنوات أو مدار كوكب، ويختلف عن šar الأكدية بمعنى ملك.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح. إنه عدد في هذا الاستعمال، لا وحدة زمنية تحمل تلقائياً معنى 3600 سنة؛ ولا ينبغي خلطه بالكلمة الأكدية šar، «ملك»، في لقب آنو.
لكن وجود العدد 3600 في الرياضيات السومرية لا يثبت أن نيبيرو يستغرق 3600 سنة لإكمال مداره. لكي نثبت ذلك نحتاج نصاً فلكياً يقول إن نيبيرو يعود كل 3600 سنة. والشواهد المعجمية والفلكية التي نراجعها هنا لا تقدم هذا المدار. إنها تتعامل مع جرم مرئي، ومع المشتري بصورة خاصة في بعض النصوص، ومع مفهوم العبور السماوي. إذن لدينا شيآن حقيقيان نيبيرو حقيقي في النصوص، و3600 رقم حقيقي في النظام السومري.
لكن ربطهما بمعادلة «نيبيرو = كوكب مداره 3600 سنة» هو خطوة تفسيرية أخرى تحتاج إلى دليل مستقل.[11]
من أين جاءت صورة الكوكب ذي المدار الطويل؟
ترتبط الصيغة الأشهر بهذه الفكرة بالكاتب زكريا سيتشن، وخصوصاً منذ كتابه The 12th Planet الذي صدر أول مرة سنة 1976.
وفي وصف الكتاب نفسه تعرض النظرية على أنها تقول بوجود نيبيرو، موطن الأنوناكي، وأن هؤلاء يأتون إلى الأرض مع دورة تقارب 3600 سنة.
وهذا مفيد جداً منهجياً، لأنه يسمح لنا بالفصل بين مصدرين مختلفين الألواح المسمارية وكتاب حديث صدر في القرن العشرين يفسرها بطريقة معينة. لا مشكلة في دراسة نظرية سيتشن. بل إنها أصبحت ظاهرة ثقافية مؤثرة وتستحق التحقيق. لكن عند سؤال «هل هذا مكتوب على الألواح؟» يجب الرجوع إلى الألواح ومعاجم لغاتها، لا إلى إعادة روايتها في كتاب صدر بعد أربعة آلاف عام.[12]
من أين جاءت قصة الذهب؟
قصة الذهب جزء مركزي من عالم سيتشن.
في روايته يصل الأنوناكي من نيبيرو إلى الأرض لأنهم يحتاجون إلى الذهب، ثم تبدأ عمليات استخراجه، ويصبح خلق البشر مرتبطاً بالحاجة إلى عمال يتولون هذا العمل.
الناشر نفسه يلخص The Lost Book of Enki بهذه الصورة، فيذكر وصول الأنوناكي من نيبيرو، والبحث عن الذهب، ثم خلق الإنسان للمساعدة في الحصول عليه. والكتاب يقدم نفسه بوصفه إعادة بناء حديثة لسيرة إنكي ضمن إطار سيتشن.
لكن حين نعود إلى نص أتراحاسيس الذي يمثل أحد أهم مصادر قصة تمرد الآلهة وخلق البشر من أجل العمل، لا نجد مناجم ذهب.
العمل الذي تريد الآلهة التخلص منه هو عبء خدمة العالم، ومنه الأعمال المرتبطة بالقنوات والزراعة والنظام الذي تعتمد عليه الحياة الرافدية.
ويخلق الإنسان لكي يحمل عمل الآلهة. هذه فكرة مختلفة تماماً عن استخراج مادة معدنية لإصلاح الغلاف الجوي لكوكب بعيد. أي أن الرواية الحديثة لم تخترع فكرة البشر العاملين للآلهة. لكنها غيّرت نوع العمل وسببه والسياق الكوني كله.
ويربط سيتشن نفسه، في مقال على موقعه، الذهب بحماية الغلاف الجوي لنيبيرو. يُستخدم هذا المصدر لتوثيق روايته الحديثة فقط، لا لإثبات تاريخ رافدي قديم.[14][13][7]
والهندسة الجينية؟
هنا يحدث التحول نفسه. سيتشن قدم خلق الإنسان بوصفه فعلاً تقنياً، وربط البشر بالأنوناكي وراثياً. وتستمر كتبه اللاحقة في التصريح بهذه الفكرة بوضوح شديد.
ويقول وصف الناشر لكتاب The Lost Book of Enki إن الأنوناكي صنعوا Homo sapiens بالهندسة الوراثية. هذه شهادة مباشرة على مضمون الكتاب الحديث، لا على وجود تلك المصطلحات في اللوح القديم.
أما النصوص الرافدية التي تقف وراء بعض عناصر القصة فتستخدم لغة مختلفة. الطين. دم إله مقتول. الإلهة الأم. الولادة. العمل. هذه لغة أسطورة خلق.
يمكن للإنسان الحديث أن يعيد تفسير الدم على أنه جينات، والطين على أنه مادة بيولوجية، والإلهة الأم على أنها مختبر.
لكن النص نفسه لم يقل ذلك. الفرق هنا ليس بين ترجمتين متنافستين لكلمة أكادية واحدة. الفرق بين ما يقوله النص والنموذج الحديث الذي نعيد قراءة النص من خلاله.[13][6][7]
هل «الآلهة نزلت من السماء» غير موجودة إذاً؟
الآلهة الرافدية مرتبطة بالسماء بالتأكيد. وآن نفسه إله السماء. وهناك آلهة سماوية وأجرام إلهية، وآلهة تتحرك بين السماء والأرض والعالم السفلي. لذلك ليس غريباً أن نجد آلهة تهبط أو تصعد أو تنتقل بين العوالم داخل الأسطورة. لكن هذا لا يثبت معنى محدداً لكلمة أنوناكي. السؤال اللغوي هو ماذا يعني الاسم؟ والجواب الأكاديمي الأكثر شيوعاً يقارب ذوي النسل الأميري، لا القادمين من السماء إلى الأرض. هناك فرق بين أن تقول الأساطير تتحدث عن آلهة سماوية؛ وبين أن تقول كلمة Anunnaki نفسها تعني حرفياً كائنات هبطت من كوكب إلى الأرض. وهذا لا تدعمه اللغة.[1]
هل كانوا «كائنات» أم «آلهة»؟
من منظور النصوص التي وصلتنا، التصنيف واضح. الأنونا أو الأنوناكي آلهة داخل العالم الديني الرافدي.
يظهر قبل اسمهم في الكتابة أحياناً المحدد الإلهيالمحدد الإلهيعلامة تصنف اسماً بوصفه إلهياً، غالباً لا تنطق؛ انتظام استعمالها يختلف بحسب اللغة والمرحلة والاسم.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح، وهو العلامة التي يضعها الكاتب قبل أسماء الكائنات الإلهية.
ويظهرون في صحبة آن وإنليل وإنكي ومردوخ وغيرهم. يتلقون قرابين في بعض النصوص. يقررون المصائر. يجلس بعضهم قضاة في العالم السفلي. وتعاملهم النصوص بالطريقة التي تعامل بها مجتمع الآلهة. لكن هذا وحده لا يحسم سؤالاً فلسفياً حديثاً من نوع هل اعتقد القدماء أن آلهتهم كائنات مادية حقيقية؟
تقدم هذه النصوص الآلهة بوصفها أصحاب إرادة وحضور وتأثير؛ ولا يكفي ذلك وحده لاستخراج تصور مادي واحد مشترك لدى جميع السكان والعصور.
لكن تحويل الكلمة الحديثة «كائن» إلى «كائن فضائي بيولوجي من كوكب آخر» يحتاج إلى أدلة مختلفة لا تقدمها النصوص.[1][3]
هل كان الأنوناكي هم الذين خلقوا البشر؟
حتى هذه العبارة، رغم انتشارها، تحتاج إلى الدقة. لا توجد قصة واحدة موحدة للخلق في بلاد الرافدين. في «إنكي وننماخإنكي وننماحنص سومري محفوظ في نسخ بابلية قديمة يربط صنع البشر بتخفيف عمل الآلهة، ثم يعرض مشاهد عن الأجساد والأقدار.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح» توجد صيغة. وفي أتراحاسيس صيغة أخرى. وفي إنوما إيليش صيغة أخرى. وتختلف أسماء الآلهة وأدوارها بين النصوص.
في أتراحاسيس، الأنوناكي والإيغيغي جزء من الأزمة الإلهية التي تقود إلى خلق الإنسان، لكن فعل الخلق نفسه يرتبط بإنكي/إيا والإلهة الأم ودم الإله المقتول.
وفي إنوما إيليش يأتي خلق الإنسان ضمن انتصار مردوخ وإعادة تنظيمه للعالم، ويُخلق البشر لتحمل خدمة الآلهة.
إذن العبارة المبسطة «الأنوناكي خلقوا البشر»
تستطيع أن تكون تلخيصاً عاماً جداً لعالم أسطوري تشارك فيه الآلهة، لكنها تخفي اختلاف الروايات والأدوار.
ولا تصف روايات الخلق التي نراجعها هنا صنع البشر بالهندسة الجينية.[6][7][8]
هل كانوا جميعاً طيبين أم أشراراً؟
هذا أيضاً سؤال حديث أكثر مما هو رافدي. الآلهة في أدب بلاد الرافدين لا تنقسم دائماً إلى معسكر بسيط من الخير والشر. إنليل يستطيع إرسال الطوفان في إحدى الروايات. إنكي يستطيع إنقاذ الإنسان. عشتار تستطيع الحب والحرب. نرغال مرتبط بالموت والوباء لكنه إله شرعي له معابد وعبادة. والأنوناكي أنفسهم ليسوا جماعة شيطانية تقف ضد البشر. هم جزء من النظام الإلهي. قد يصدرون الأحكام.
وقد يقررون المصائر. وقد يرتبط بعضهم بالعالم السفلي. لكن النصوص لا تقدمهم بوصفهم «الجنس الشرير الذي استعبد البشرية» في مقابل آلهة صالحة أخرى. هذه الثنائية جزء آخر من إعادة بناء حديثة لعالم ديني كان أكثر تعقيداً.[1][4][8]
لماذا تغير معنى الأنوناكي عبر الزمن؟
لأن ديانات بلاد الرافدين نفسها استمرت أكثر من ثلاثة آلاف عام. هذه مدة هائلة.
لو أخذنا كلمة دينية استخدمت منذ العصر الروماني إلى اليوم، فلن نتوقع أن يبقى معناها واستعمالها متطابقين في كل قرن وكل مدينة.
الأمر نفسه ينطبق على الأنونا. في نص قد يكونون كبار الآلهة. وفي آخر آلهة مدينة محددة. وفي مشهد سبعة قضاة. وفي تقليد بابلي لاحق مجموعة مرتبطة بالعالم السفلي. وفي إنوما إيليش يمكن أن يبلغ عددهم ستمئة موزعين بين السماء والعالم السفلي. هذا التغير ليس مشكلة ينبغي إصلاحها. إنه جزء من تاريخ الكلمة نفسها.[1][5]
وهل كانوا سبعة؟
الأدق أن نقول سبعة من الأنونا يظهرون قضاة في قصة نزول إنانا. ولا نقول عدد الأنوناكي هو سبعة. الفرق صغير في الكلمات وكبير في المعنى. النص يذكر سبعة في وظيفة محددة. لكن نصاً آخر يعرف خمسين من أنونا أريدو. وآخر يقسم ستمئة. لذلك عندما نجد رسماً حديثاً لسبعة أشخاص مع عبارة «الأنوناكي السبعة الأصليون» يجب أن نسأل فوراً أي نص؟ أي عصر؟ وأي مدينة؟
من دون هذه المعلومات تكون الصورة الحديثة قد أخذت رقماً حقيقياً من نص واحد وحولته إلى قاعدة عامة لم تكن موجودة.[1][3][8]
وهل كانوا ستمئة؟
حتى رقم ستمئة يحتاج إلى السياق نفسه. في إنوما إيليش يقسم مردوخ الأنونا بين الأعلى والأسفل؛ يذكر 300 في السماء و600 في السماء والأرض معاً، ويُلخص التقسيم عادة بثلاثمئة في كل مجال. لكن لا يمكن تحويل هذا إلى «كان هناك بالضبط 600 أنوناكي في جميع العقائد الرافدية». إنه تنظيم داخل نص بابلي معين له هدف لاهوتي واضح إظهار مردوخ بوصفه الإله الذي أعاد ترتيب الكون والمجتمع الإلهي بعد انتصاره.
والنص نفسه نتاج عالم بابلي متأخر عن أول ظهور للأنونا بقرون طويلة. الأرقام في الأسطورة قد تنظم الكون بقدر ما تعد الأفراد.[8]
النص القديم والرواية الحديثة
يمكن الآن وضع الروايتين جنباً إلى جنب من دون سخرية من إحداهما ولا خلط بينهما. في النصوص الرافدية نجد الأنونا/الأنوناكي تسمية مرنة لجماعات من الآلهة، غالباً الكبار منهم أو آلهة بانثيون محلي. نيبيرو
كلمة أكادية مرتبطة بالعبور، وتظهر أيضاً كتسمية فلكية مرتبطة خصوصاً بمردوخ والمشتري في سياقات معينة.
خلق الإنسان يحدث في بعض الأساطير لتخفيف عمل الآلهة. الدم الإلهي يدخل في خلق الإنسان في أتراحاسيس. تمرد الآلهة العاملة موجود بالفعل في أتراحاسيس، وخصوصاً في دور الإيغيغي. أما في رواية سيتشن فنجد بناءً جديداً الأنوناكي يصبحون جنساً فضائياً. نيبيرو يصبح كوكبهم الأم ذا المدار البالغ 3600 سنة. الحاجة إلى العمل تصبح الحاجة إلى استخراج الذهب. الدم الإلهي يصبح مادة وراثية.
خلق الإنسان يصبح عملية هندسة جينية. هذه الرواية الحديثة لم تنشأ من لا شيء. قوتها في أنها أخذت عناصر حقيقية من الأساطير القديمة. لكنها غيرت العلاقة بينها ومعانيها وأضافت إليها إطاراً تقنياً وفلكياً حديثاً. وهذا هو السبب في أن القصة تستطيع أن تبدو لمن يسمعها أول مرة وكأنها موجودة حرفياً على الألواح. هي قريبة من النصوص بما يكفي لكي تبدو قديمة.
ومختلفة عنها بما يكفي لكي تكون قصة أخرى.[1][7][8][12][13]
كيف نختبر أي ادعاء عن الأنوناكي؟
الطريقة بسيطة من حيث المبدأ. إذا قيل «اللوح السومري يقول إن...» فالسؤال التالي يجب أن يكون أي لوح؟ ما رقم القطعة؟ ما السطر؟ ما الكلمة الأصلية؟ وكيف تترجمها المعاجم المسمارية؟ وهل توجد ترجمات مستقلة لنفس النص؟ بهذه الطريقة نستطيع التمييز بين ثلاث طبقات مختلفة كثيراً ما تختلط على الإنترنت النص القديم نفسه. تفسير الباحث الحديث للنص. رواية حديثة مستوحاة من النص.
وكل واحدة منها مشروعة كموضوع للدراسة. المشكلة تبدأ فقط عندما تُقدَّم الثالثة على أنها ترجمة حرفية للأولى.[2][3][9][11]
ما الذي تقوله الأدلة بدرجات واضحة؟
مؤكد: الأنونا اسم حقيقي في النصوص السومرية؛ تورد ORACC أقدم الشواهد المذكورة من الفترة التالية للعصر الأكدي، وخصوصاً نقوش كوديا ونصوص أور الثالثة. هذا تاريخ الشواهد المذكورة، لا برهان على تاريخ ولادة الفكرة.
مؤكد: Anunnaku وAnunnaki صيغ أكادية للاسم، وهي موثقة في النصوص القديمة، ومنها العصر البابلي القديم وما بعده.
مرجح: المعنى اللغوي للاسم قريب من «ذوي النسل الأميري» أو «ذوي الأصل الأميري»، مع بقاء بعض التفاصيل الاشتقاقية موضع نقاش.
غير مثبت أن معنى الاسم هو «الذين من السماء إلى الأرض جاءوا».
مؤكد: لم يكن للأنوناكي عدد ثابت. تظهر سبعة منهم قضاة في نص، وخمسون من أنونا أريدو في تقليد آخر، وستمئة في إنوما إيليش.
مؤكد يمكن أن يشير الاسم إلى كبار الآلهة، أو إلى بانثيون مدينة بعينها، وتغير استعماله عبر العصور.
مؤكد ارتبط بعض الأنونا بالعالم السفلي، وأصبح هذا الارتباط أوضح في عدد من التقاليد اللاحقة.
مؤكد: نيبيرو اسم قديم حقيقي، لكن المصادر الفلكية تربطه بمفهوم العبور وبمردوخ وبالمشتري في ظروف معينة، ولا تقدمه بوصفه موطن جنس الأنوناكي.
مؤكد العدد 3600 موجود في الحساب السومري بقيمة šar₂؛ العدد وحده لا يحدد وحدة زمنية أو مداراً.
غير مثبت من النصوص المسمارية أن نيبيرو كوكب خفي يدور حول الشمس كل 3600 سنة.
مؤكد بعض أساطير بلاد الرافدين تقول إن الإنسان خُلق لكي يحمل العمل عن الآلهة.
مؤكد أتراحاسيس تستخدم صورة الطين الممتزج بدم إله مقتول في خلق البشر.
غير موجود في هذه النصوص: وصف للعملية بوصفها هندسة جينية، أو قول إن الهدف من خلق الإنسان كان تعدين الذهب لإنقاذ الغلاف الجوي لكوكب نيبيرو.[1][3][8][9][11][13]
الأنوناكي الحقيقيون أكثر إثارة من الرواية التي نُسبت إليهم
حين تُزال المركبات الفضائية ومناجم الذهب من القصة، لا يبقى أمامنا شيء ممل. العكس تماماً.
يبقى تاريخ ديني امتد قروناً طويلة، تغيّر فيه معنى جماعة من الآلهة مع تغير المدن والممالك واللغات.
في عصر يكون الأنونا كبار الآلهة الذين يقررون المصائر. وفي نص آخر سبعة قضاة يقفون في ظلام العالم السفلي. وفي أريدو يمكن أن نتحدث عن أنونا خاصين بالمدينة. وفي بابلبابلبابل مدينة قديمة في وسط العراق الحالي، جنوب بغداددليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح يستطيع مردوخ أن يعيد توزيع مئات منهم بين السماء والعالم السفلي. وفي زمن حمورابيحمورابيملك بابل في بلاد الرافدين، حكم نحو 1792–1750 ق.م. يحمل اسمه نص قانوني مشهور محفوظ على مسلّة ونسخ مسمارية.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح يكون آن ملك الأنوناكي. ثم تتغير المصطلحات والعلاقات، ويظهر الإيغيغي إلى جانبهم، وتتبدل حدود السماء والعالم السفلي.
هذه ليست قصة جنس فضائي واحد ذي وظيفة ثابتة. إنها قصة مفهوم ديني عاش داخل حضارة كاملة وتغير معها. والأمر نفسه مع نيبيرو. الكلمة الحقيقية ليست أقل إثارة لأنها لا تقدم لنا كوكباً سرياً.
هي تكشف كيف نظر علماء الفلك البابليون إلى السماء، وكيف استطاع اسم ديني أن يصبح اسماً فلكياً، وكيف اندمج مردوخ في علم النجوم البابلي.
أما أتراحاسيس فيقدم وحده فكرة مدهشة من دون حاجة إلى مختبر فضائي الإنسان مخلوق من الأرض وفيه دم إله، وقد وُضع على الأرض لكي يحمل عبئاً كانت تحمله الآلهة نفسها. هذه هي القصة التي كتبها القدماء.
أما قصة نيبيرو ذي المدار البالغ 3600 سنة، والذهب الذي أتى الأنوناكي لاستخراجه، وتعديل جينات الكائنات الأرضية لصناعة عمال للمناجم، فهي فصل آخر من تاريخ الفكرة
فصل بدأ في العصر الحديث، لا في سومر. ولهذا فإن أفضل سؤال عند الحديث عن الأنوناكي ليس هل كانوا آلهة أم فضائيين؟ بل أي جزء من القصة موجود فعلاً على اللوح، وأي جزء أضافه القارئ بعد آلاف السنين؟[1][4][7][8][12][13]
المراجع والحواشي
- نيكول بريش، الأنونا/الأنوناكي، ORACC، تحديث 2024. النص المفهرس للمدخل: الوظائف، النسب، المعابد، الفترات، الصور، الاسم؛ الوصول المباشر تعذر. الشاهد الأول الباقي ليس تاريخ نشأة الفكرة. العودة إلى المتن ↑
- CDLI، P464358، النص المركب لقوانين حمورابي. المقدمة، العمود i، الأسطر 1–19؛ خصوصاً i 2، šar anunnakī. قُرئ المقطع لا جميع مواد القوانين. العودة إلى المتن ↑
- ETCSL، نزول إنانا إلى العالم السفلي، 1.4.1، أكسفورد. الأسطر 164–172: سبعة من الأنونا قضاة في المشهد، لا تعداداً لجميع أعضاء الجماعة. العودة إلى المتن ↑
- ETCSL، إنكي وتنظيم العالم، 1.1.3، أكسفورد. الأسطر 61–80 و192–209 و368–380 و391–394: قيادة إنكي، الآلهة العظام، تقرير المصائر والمواضع والوظائف. العودة إلى المتن ↑
- نيكول بريش، الإيغيغي، ORACC، تحديث 2024. المدخل المفهرس؛ خصوصاً اقتباس أتراحاسيس I 1–6: الأنوناكي الكبار يحمّلون الإيغيغي العمل. أدوار المجموعتين تختلف بحسب النص. العودة إلى المتن ↑
- ORACC، الإلهة الأم: ننماخ وننتو/ننتور وبيليت-إيلي. المقتطف المفهرس عن وظائف الخلق: الطين ودم الإله المقتول في أتراحاسيس، والطين في إنكي وننماخ. لا ادعاء بقراءة الدراسات المدرجة كلها. العودة إلى المتن ↑
- بيوتر ميخالوفسكي، Presence at the Creation، 1990. ص 388، النص المفهرس: خلق الإنسان للكدح والطين والدم؛ نقل أتراحاسيس I 237–241 عن لامبرت وميلارد. تحميل الملف الكامل تعذر؛ لم تُقرأ الدراسة كاملة. العودة إلى المتن ↑
- ألكسندر هايدل، The Babylonian Genesis، الطبعة الثانية، شيكاغو، 1951. ملف الجامعة المقروء: ص 44، V 1–14؛ ص 46–49، VI 1–87؛ ص 59، VII 118–142. VI 39–46 يذكر 300 في السماء و600 معاً؛ الحاشية 122 تفسر الأرض بالعالم السفلي. ليست قراءة للكتاب كله. العودة إلى المتن ↑
- ORACC/ARMep، المدخل المعجمي nēberu. المدخل المفهرس: المعبر والمخاضة والعبارة والمشتري ضمن معاني الاستعمال. لا يُختزل كل ورود في هوية فلكية واحدة. العودة إلى المتن ↑
- إيمانويل فريدمان، The Marduk Star Nēbiru، CDLB 2015:3. الفقرات 1.1–1.3 و2.1–2.3 و2.16–2.19 من النص/الملف المفهرس؛ مقترح علامة الاعتدال فرضية المؤلف، لا إجماعاً. لا تثبت مدارا كل 3600 سنة. العودة إلى المتن ↑
- ORACC/ePSD2، šar₂، قيمة عددية 3600. المدخل المعجمي المفهرس وشواهده العددية. القيمة العددية وحدها لا تحدد سنوات ولا مداراً. العودة إلى المتن ↑
- زكريا سيتشن، The 12th Planet؛ بيانات الطبعات ووصف الكتاب، Google Books. وصف طبعة 1991 يتحدث عن موطن نيبيرو ودورة 3600 سنة. تحققت طبعة Stein and Day، 1976، في سجل Google Books رقم 1NAYAAAAYAAJ. المصدر لتاريخ الرواية الحديثة، لا لترجمة الألواح؛ لم يُقرأ الكتاب كله. العودة إلى المتن ↑
- زكريا سيتشن، The Lost Book of Enki، وصف الناشر والمقدمة المتاحة. About the Book والمقدمة وSynopsis: الذهب والرواد والهندسة الجينية وإعادة إنشاء سيرة إنكي. شاهد على مضمون سيتشن فقط؛ مديح الناشر لا يثبت أهلية علمية أو صحة تاريخية. العودة إلى المتن ↑
- موقع زكريا سيتشن، فقرة Back to the Anunnaki. فقرتا تفسير الذهب بوصفه درعاً في غلاف نيبيرو. قُرئ المقطع المحدد؛ مصدر أولي للرواية الحديثة، لا للأديان القديمة. العودة إلى المتن ↑
- متروبوليتان، القطعة 86.11.378a، تقليد أتراحاسيس. سجل القطعة وبيانات Open Access: نحو القرنين السابع–السادس ق.م، ملكية عامة. الصورة سياقية لتداول القصة، ولا تعرض فقرة خلق البشر. العودة إلى المتن ↑
- نيكول بريش، مردوخ، ORACC، 2019. المدخل المفهرس: إله بابل ومعبد إساجيل، صعوده في إنوما إيليش وارتباطه بالمشتري في الألف الأول. أصله ووظيفته الأولى غير محسومين. العودة إلى المتن ↑
اقترح تصحيحًا · اقترح مصدرًا لهذا السجل
الاستشهاد بهذا السجل
أرشيف إيل، «الأنونا والأنوناكي: ما الذي تقوله النصوص فعلاً؟»، الإصدار 1، https://ilarchive.com/ar/studies/anunna-anunnaki-texts