دراسة

الطوفان قبل نوح: من زيوسودرا وأتراحاسيس إلى أوتنابشتم وسفر التكوين

دراسة تعرض قراءة مطولة في موضوع، مع الشواهد والمراجع.

في الخط الزمني
من 1900 قبل الميلاد إلى 300 قبل الميلاد

روايات الطوفان الرافدية الأقدم وقصة نوح: ماذا يكشف تشابه السفينة والطيور والقربان، وكيف تغيرت أسباب الكارثة والنجاة، وما الذي لا تثبته المقارنة؟

مشاركة المقال
واتساب مشاركة على إكس البريد الإلكتروني
قطعة مسمارية من تقليد أتراحاسيس، بلاد الرافدين، نحو القرنين السابع–السادس ق.م؛ متروبوليتان 86.11.378a. نسخة متأخرة، وليست المخطوط البابلي القديم ولا لوح جلجامش K.3375. الأصل محفوظ؛ تصغير بلا اقتصاص
قطعة مسمارية من تقليد أتراحاسيس، بلاد الرافدين، نحو القرنين السابع–السادس ق.م؛ متروبوليتان 86.11.378a. نسخة متأخرة، وليست المخطوط البابلي القديم ولا لوح جلجامش K.3375. الأصل محفوظ؛ تصغير بلا اقتصاصمتحف متروبوليتان · شراء 1886 · ملكية عامة · ملكية عامةمرجع مرتبط · سجل القطعة

النص

من زيوسودرازيوسودراملك وكاهن بطل قصة الطوفان السومرية، المحفوظة في نسخة بابلية قديمة ناقصة. ينجو ويقدم قرباناً وينال حياة إلهية في دلمون؛ لا يثبت النص وجوده التاريخي.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح وأتراحاسيسأتراحاسيس: الملحمة وبطلهاملحمة أكادية عن خلق البشر للعمل للآلهة ثم تكاثرهم وضجيجهم والطوفان. أتراحاسيس، «فائق الحكمة»، ينجو بتحذير إنكي؛ تُنظم الحياة والتكاثر بعد الكارثة.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح إلى أوتنابشتمأوتنابشتمبطل الطوفان في جلجامش. يروي نجاته لملك يبحث عن الخلود؛ يحذره إيا ويحفظ الحياة، ثم ينال هو وزوجته حياة استثنائية. شخصية أدبية لا تثبتها الآثار كشخص تاريخي.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح وسفر التكوين.

قبل أن يظهر نوحنوحنوح شخصية قصة الطوفان في سفر التكوين، ونبي في القرآندليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح في سفر التكوين، كانت بلاد الرافدينبلاد الرافدينإقليم تاريخي مرتبط بنهري دجلة والفرات، شمل مجتمعات وحضارات متعددة.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح قد عرفت قصة رجل اختير لينجو من طوفان أرادت القوى الإلهية به القضاء على البشر.

بل لم تحفظ لنا بلاد الرافدين نسخة واحدة من القصة. هناك زيوسودرا في التقليد السومري. وأتراحاسيس في الملحمة الأكاديةالأكاديةلغة سامية شرقية قديمة استُعملت في بلاد الرافدين منذ الألف الثالث ق.م، وتظهر فيها كلمة «إيلو» بمعنى إله.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح. ثم أوتنابشتم في ملحمة جلجامشملحمة جلجامشتقليد أدبي رافدي متعدد النسخ عن ملك أوروك وإنكيدو والموت. يحفظ اللوح XI من النسخة القياسية قصة أوتنابشتم؛ عمر أشهر مخطوطاته لا يؤرخ بداية الرواية.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح. تختلف الأسماء. وتختلف أسباب الكارثة. وتتغير الآلهة والأبعاد اللاهوتية. لكن بنية مألوفة تتكرر بصورة يصعب تجاهلها قرار إلهي بإهلاك البشر. رجل يُحذَّر مسبقاً. سفينة تُبنى. بشر وحيوانات ينجون داخلها. طوفان يدمر العالم المعروف. السفينة تستقر بعد انحسار المياه.

وفي بعض الروايات تُرسل الطيور لمعرفة إن كانت الأرض قد ظهرت. ثم يخرج الناجي ويقدم قرباناً. وبعد ذلك تبدأ حياة بشرية جديدة.

حين اكتُشف لوح الطوفان من ملحمة جلجامش في القرن التاسع عشر، كانت الصدمة كبيرة تحديداً لأن بعض هذه التفاصيل بدت قريبة جداً من قصة نوح.

لكن السؤال التاريخي ليس هل توجد قصة أقدم تشبه قصة نوح؟ فهذا أصبح مؤكداً منذ زمن طويل. السؤال الأصعب هو

ما العلاقة بين هذه القصص؟ هل نحن أمام القصة نفسها وهي تنتقل من ثقافة إلى أخرى، أم أمام فيضانات مختلفة أنتجت قصصاً متشابهة، أم أمام تقليد قديم أعيد تشكيله مراراً؟

وللإجابة يجب أولاً وضع الروايات في ترتيبها الصحيح.[2][14][15]

قبل نوح كان هناك زيوسودرا

أقدم بطل طوفان وصل إلينا باللغة السومرية يسمى زيوسودرا — Zi-ud-sura.

كان ملكاً وكاهناً، وتظهر قصته في النص الذي يسميه الباحثون عادة قصة الطوفان السومرية، وأحياناً «تكوين أريدوأريدوموقع أبو شهرين في جنوب العراق، ذو تسلسل معماري طويل يبدأ قبل الكتابة. ارتبط بإنكي في الأزمنة التاريخية، لكن هذا لا يثبت هوية الكائن المقدس في أقدم طبقاته.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح».

اللوح الذي حفظ القصة جاء من نيبورنيبور / نُفّرمدينة رافدية ومركز رئيسي لعبادة إنليل؛ ترتبط مكانتها الدينية بشرعية ملوك من مدن أخرى.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح في العراقالعراقالعراق دولة حديثة تضم جانباً كبيراً من بلاد الرافدين القديمةدليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح، وهو شديد التلف؛ أجزاء كاملة منه مفقودة، ولذلك لا نستطيع قراءة الرواية من بدايتها إلى نهايتها كما نستطيع مع ملحمة جلجامش.

والأهم أن علينا التمييز بين لغة النص وعمر المخطوطة التي حفظته.

كون الرواية سومرية لا يعني أن اللوح الذي بين أيدينا يرجع تلقائياً إلى أقدم العصور السومرية. النسخة الباقية تنتمي إلى العصر البابلي القديم، أي إلى أوائل الألف الثاني قبل الميلاد، وقد تكون المادة التي تحفظها أقدم من المخطوطة نفسها بدرجات لا يمكن تحديدها بدقة. وتضع الدراسات الحديثة قصة زيوسودرا وقصة أتراحاسيس بين أقدم النصوص الأدبية الباقية التي تحفظ «قصة الطوفان الكلاسيكية» في العصر البابلي القديم.[1][2]

ما سبب الطوفان عند زيوسودرا؟

هنا يجب مقاومة الرغبة في ملء الفراغ. النص مكسور تحديداً في مواضع مهمة. نعرف أن مجمع الآلهةمجمع الآلهةمجموع الآلهة التي تنتمي إلى نظام ديني واحد، وما بينها من مراتب ووظائف وعلاقات.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح اتخذ قراراً يقضي بأن يجتاح الطوفان الأرض وأن يُهلك «نسل البشر». ونرى آن وإنليلإنليلإله رافدي بارز ارتبط بنيبور ومعبد إيكور؛ تظهر مكانته العالية في نصوص العصر السلالي المبكر، قبل أقدم ذكر معروف للأنونا.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح وإنكيإنكيإله رافدي يرتبط بالمياه العذبة العميقة والحكمة وأريدو، ويعرف باسم إيا في التقليد الأكادي. أقدم ذكر مكتوب محفوظ لا يؤرخ وحده لبداية عبادته؛ لا يثبت اسمه هوية معبود أريدو العُبيدية.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح ونينهورساج ضمن العالم الإلهي الذي تدور فيه الأحداث.

ويصل تحذير إلى زيوسودرا مرتبط بجدار؛ تُنسب وظيفة الإنقاذ عادة إلى إنكي، لكن اسم المتكلم في موضع التحذير ليس محفوظاً صراحة في النص الباقي. ثم تضيع عشرات الأسطر التي كانت ستخبرنا بتفاصيل الاستعداد والسفينة.

لكن سبب اتخاذ قرار الإبادة غير محفوظ بوضوح في النص السومري الباقي.

ولهذا لا يصح أن نأخذ سبب الطوفان في أتراحاسيس، وهو ضجيج البشر وتكاثرهم، ثم ننسبه تلقائياً إلى زيوسودرا.

ما نعرفه هو القرار. أما سببه فابتلعه الكسر في اللوح.[1]

سبعة أيام وسبع ليالٍ

حين تعود الأجزاء المقروءة من اللوح، يكون الطوفان قد بدأ. تهب الرياح والعواصف معاً، وتهتز السفينة العظيمة وسط المياه سبعة أيام وسبع ليالٍ. ثم يظهر إله الشمس أوتو، ويثقب زيوسودرا فتحة في السفينة ليدخل الضوء. ويحدث شيء سنراه مرة بعد أخرى في قصص الطوفان الناجي يقدم قرباناً فور نجاته. زيوسودرا يسجد أمام أوتو ويذبح الثيران ويقدم الأغنام.

وبعد أجزاء مفقودة أخرى، نرى الحيوانات وهي تخرج إلى الأرض، ثم يقف زيوسودرا أمام آن وإنليل.

وفي نهاية النص تمنحه الآلهة حياة شبيهة بحياة الآلهة، ويستقر في دلموندلمون: البلد القديم والصورة الأدبيةاسم بلد تجاري قديم في الخليج يرتبط أثرياً بمنطقة البحرين، ويظهر أيضاً في الأدب السومري بصفات لا تحول كل مشهد فيه إلى وصف تاريخي.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح، في المكان البعيد حيث تشرق الشمس.

إذن، قبل نوح بزمن طويل في التاريخ النصي، كانت لدينا بالفعل عناصر أساسية رجل مختار. تحذير. سفينة. حيوانات محفوظة. طوفان. نجاة. قربان. وحياة جديدة بعد الكارثة. لكن قصة زيوسودرا ناقصة إلى حد يجعل المقارنة التفصيلية محدودة. أما الرواية التالية فتعطينا أكثر بكثير.[1]

مخطط حديث للنص السومري الباقي: قرار وتحذير، ثم فجوة في الاستعداد والسفينة، وسبعة أيام وليالٍ وقربان وحياة إلهية في دلمون. سبب القرار واسم متكلم التحذير ليسا محفوظين بوضوح؛ ليس صورة للوح أو للبطل
مخطط حديث للنص السومري الباقي: قرار وتحذير، ثم فجوة في الاستعداد والسفينة، وسبعة أيام وليالٍ وقربان وحياة إلهية في دلمون. سبب القرار واسم متكلم التحذير ليسا محفوظين بوضوح؛ ليس صورة للوح أو للبطلمخطط تفسيري حديث من أرشيف إيل · CC BY 4.0 · CC BYالترخيص · مصدر الصورة

أتراحاسيس: القصة التي تشرح لماذا أرادت الآلهة إغراق البشر

في الملحمة الأكادية المعروفة باسم أتراحاسيس تصبح القصة جزءاً من تاريخ كامل للإنسان. ويعني اسم البطل تقريباً «فائق الحكمة».

وصلتنا نسخ من العصر البابلي القديم، منها مخطوطات من عهد أمي-صدوقا في القرن السابع عشر ق.م وفق التأريخ المتوسط. يصنف CDLI أحد الألواح ضمن العصر البابلي القديم، نحو 1900–1600 ق.م؛ هذا نطاق فهرسي، لا تاريخ تأليف الملحمة كلها. واستمرت القصة تُنسخ لاحقاً.

أتراحاسيس مهمة لأن الطوفان فيها ليس قصة منفصلة. تبدأ الملحمة قبل البشر. الآلهة نفسها تعمل. الآلهة الدنيا تحفر القنوات وتؤدي الأعمال الثقيلة، ثم تتمرد على العمل. والحل هو خلق الإنسان ليحمل عبء العمل بدلاً منها. لكن الحل يولد مشكلة جديدة. البشر يتكاثرون. ويزداد عددهم. ويصبح ضجيجهم لا يطاق بالنسبة إلى إنليل. فتحاول الآلهة أولاً تقليلهم بالأوبئة. ثم بالجفاف والمجاعة. ويفشل كل ذلك لأن إنكي يساعد البشر على النجاة.

وفي النهاية يقرر إنليل استخدام الحل الأكثر تطرفاً الطوفان.

دراسة متخصصة في نص أتراحاسيس تلخص القصة باعتبارها سلسلة من محاولات إنليل للسيطرة على تكاثر البشر عن طريق الوباء والجفاف والمجاعة، ثم الطوفان. كما تذكر المصادر الرافدية صراحة أن ضجيج البشرية المتواصل منع إنليل من النوم.[3][4][5]

الطوفان هنا ليس عقاباً أخلاقياً

هذه من أكبر الفروق بين أتراحاسيس وسفر التكوين. في أتراحاسيس لا يُغرق البشر لأنهم أصبحوا أشراراً أخلاقياً. المشكلة الأساسية هي الكثرة والضجيج. البشر الذين خُلقوا أصلاً ليعملوا من أجل الآلهة أصبحوا ناجحين أكثر مما ينبغي في البقاء والتكاثر. إنليل يريد خفض عددهم. وهذا يجعل القصة جزءاً من مشكلة السكان والعمل والعلاقة بين البشر والآلهة. بعد الطوفان لا يكون الحل أن تصبح البشرية أخلاقية.

بل تتخذ إجراءات جديدة تمنع التكاثر غير المحدود، حتى لا تتكرر الأزمة بالطريقة نفسها. وهذه بنية مختلفة جذرياً عن منطق نوح، حيث تصبح الشرور والعنف وفساد البشر أساس الحكم الإلهي.[6][15]

إنكي يخالف قرار الإبادة

نجد في أتراحاسيس انقساماً داخل العالم الإلهي. إنليل يريد القضاء على البشر. أما إنكي/إيا، إله الحكمة والمياه العذبة وحامي البشر في هذه الرواية، فلا يسمح بانتهاء البشرية. لكنه مقيد بقسم بين الآلهة يمنعه من إفشاء السر مباشرة. ولهذا يستخدم حيلة. يخاطب الجدار أو كوخ القصب بحيث يسمع أتراحاسيس الرسالة. والتعليمات واضحة في جوهرها اهدم بيتك. ابنِ سفينة. اترك الممتلكات. وأنقذ الحياة.

ثم يدخل أتراحاسيس السفينة مع أسرته وما يستطيع حفظه من الكائنات الحية.

يوثق مدخل إنكي/إيا في ORACC دوره في إنقاذ البشر بتحذير أتراحاسيس. ويعرض جون داي القصة وتعليمات السفينة في دراسته المقارنة. ليست كل صيغة من صيغ الحوار محفوظة بالتمام في كل نسخة.

وهنا توجد نقطة ستبقى شديدة الأهمية حتى قصة نوح الإله الذي يقرر الإبادة ليس هو الإله نفسه الذي ينقذ البطل. العالم متعدد الآلهة يسمح بأن تختلف الإرادات.

وستختفي هذه الإمكانية في سفر التكوين، حيث الإله الذي يرسل الطوفان هو نفسه الذي يختار نوحاً وينقذه.[5][15]

وبعد الطوفان... تجوع الآلهة

هذه من أكثر تفاصيل أتراحاسيس اختلافاً عن سفر التكوين. حين يغرق البشر، تنقطع القرابين. والآلهة التي كانت تعتمد على البشر في توفير الطعام والعبادة تجد نفسها في ضيق. وحين يقدم الناجي قربانه بعد انحسار المياه، تجتمع الآلهة حول رائحته بشغف. هذا العنصر سيظهر بصورة شهيرة أيضاً في ملحمة جلجامش. والقصة هنا تحمل نقداً داخلياً للقرار الإلهي نفسه الآلهة خلقت البشر لكي يعملوا لها. ثم كادت تقضي عليهم جميعاً.

ثم اكتشفت أنها تحتاج إليهم.

ولذلك، عندما يعلم إنليل أن إنساناً نجا، يغضب أولاً، قبل أن يعاد ترتيب العلاقة بين البشر والآلهة بطريقة لا تستدعي إفناء الجميع مرة أخرى.[7][15]

ثم يدخل أوتنابشتم إلى ملحمة جلجامش

الاسم الثالث هو أوتنابشتم — Uta-napishti / Utnapishtim. هو بطل الطوفان في النسخة البابلية من ملحمة جلجامش. لكن يجب هنا الانتباه إلى التاريخ النصي. جلجامش شخصية وأدب أقدم بكثير من اللوح الذي اشتهر بقصة الطوفان.

يشير محمد علي أتاچ إلى أن الشخصية المسماة أوتنابشتم موجودة في التقليد البابلي القديم لجلجامش، لكن رواية الطوفان نفسها لم تصلنا ضمن تلك النسخ. لا يجوز ملء هذه الفجوة آلياً بالنص القياسي المتأخر.

أما الرواية الكاملة تقريباً التي نقرأها اليوم فتوجد في اللوح الحادي عشر من النسخة البابلية القياسية للملحمة، والمخطوط الأشهر منها جاء من مكتبة آشوربانيبالآشوربانيبالآشوربانيبال ملك آشوري حكم في القرن السابع ق.م، نحو 668–631 ق.مدليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح في نينوىنينوى وتل قوينجقنينوى مدينة آشورية قديمة قرب الموصل في شمال العراق؛ وقوينجق أحد تلال موقعها الأثريدليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح في القرن السابع قبل الميلاد.

إذن لا يصح القول «قصة جلجامش عن الطوفان أُلفت في القرن السابع ق.م» لمجرد أن أشهر لوح باقٍ منها يعود إلى ذلك الزمن. التقليد أقدم بكثير من النسخة المادية التي حفظته.[2][16]

لماذا يروي أوتنابشتم قصته أصلاً؟

لأن جلجامش لا يبحث عن الطوفان. إنه يبحث عن الهرب من الموت. بعد موت صديقه إنكيدو يدرك جلجامش أنه سيموت هو الآخر.

فيذهب بحثاً عن أوتنابشتم، الإنسان الذي يعرف أنه نجا من الطوفان ثم حصل بطريقة استثنائية على الحياة الأبدية.

وحين يصل إليه، يسأله كيف استطعت أنت، وأنت إنسان مثلي، أن تدخل مجلس الآلهةمجلس الآلهةتصور ديني للآلهة وهي تشكل مجلساً أو هيئة يرأسها إله أعلى وتُتخذ فيها القرارات الإلهية.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح وتحصل على الحياة؟ عندها يكشف له أوتنابشتم «سر الآلهة». وهكذا تدخل قصة الطوفان إلى ملحمة جلجامش باعتبارها تفسيراً لكيفية حصول رجل واحد على الخلود.

يعرض مشروع SOAS الأسطر 1–163 من اللوح الحادي عشر، بالنص الأكادي وترجمة أندرو جورج، بما فيها بداية الحوار والطوفان واختبار الطيور والقربان. أما بقية المشهد فتحتاج إلى إحالة أخرى.[8][9]

مدينة شوروباك تعود مرة أخرى

يبدأ أوتنابشتم قصته باسم مدينة شوروباك. المدينة نفسها التي تظهر ضمن المدن القديمة السابقة للطوفان في التقليد السومري. يخبر جلجامش أن شوروباك كانت مدينة قديمة على نهر الفرات، وأن الآلهة الكبرى قررت إرسال الطوفان. هنا توجد ملاحظة مهمة. النسخة البابلية القياسية من جلجامش لا تقدم سبب الطوفان بالتفصيل نفسه الذي تقدمه أتراحاسيس. تقول إن الآلهة قررت الطوفان.

لكن لا ينبغي أخذ قصة «الضجيج الذي منع إنليل من النوم» من أتراحاسيس ووضعها آلياً داخل اللوح الحادي عشر وكأنها مكتوبة هناك.

الصلة بين النصين قوية جداً، والنسخة الجلجامشية تعتمد على تقليد أتراحاسيس الأقدم، لكن كل نص يجب أن يُقرأ بما يقوله هو.[8][15]

السفينة أصبحت هنا أكثر تفصيلاً

إيا، الذي يساوى بإنكي في هذه التقاليد، يحذر أوتنابشتم بالطريقة نفسها تقريباً من خلال بيت القصب والجدار. ويهتف إليه أن يهدم البيت ويبني سفينة. ثم تأتي تعليمات تفصيلية. ينبغي أن تكون أبعاد السفينة متناسبة، وأن تسقف بالكامل. وفي الرواية المحفوظة يدخل أوتنابشتم إليها أسرته. وأقاربه. وحرفيين. وممتلكات. وحيوانات. و«بذرة» الكائنات الحية. ثم يغلق الباب وتبدأ العاصفة.

متحف المتروبوليتان يلخص الرواية بأن أوتنابشتم يحمل أهله وحرفيين وحيوانات البرية وبذرة الكائنات الحية قبل أن تبدأ الكارثة.

هنا يصبح التشابه مع سفينة نوح أكثر تحديداً. لم يعد لدينا مجرد رجل ينجو من فيضان. لدينا وعاء نجاة جماعي لحفظ البشر والحياة الحيوانية.[8]

ستة أيام وسبع ليالٍ

في ملحمة جلجامش تستمر العاصفة المدمرة ستة أيام وسبع ليالٍ. ويصف أوتنابشتم مشهداً مرعباً حتى الآلهة نفسها تخشاه. ثم يحل الهدوء. ينظر أوتنابشتم إلى العالم، فلا يكاد يرى سوى المياه، والبشر تحولوا إلى طين. وفي النهاية تستقر السفينة على جبل نيموش.

يسمي النص جبل نيموش. أما التكوين فيذكر «جبال أراراط»، وهي تسمية إقليمية لا تحدد وحدها القمة الحديثة المسماة جبل أرارات.

ويبقى المركب مستقراً هناك حتى تبدأ المرحلة التالية اختبار الأرض بالطيور.[8]

الحمامة ثم السنونو ثم الغراب

هذه واحدة من أكثر المقارنات شهرة مع سفر التكوين. بعد استقرار السفينة، يطلق أوتنابشتم حمامة. تطير ولا تجد موضعاً تستقر عليه، فتعود. ثم يطلق سنونو. فيعود للسبب نفسه. ثم يطلق غراباً. يرى الغراب أن المياه بدأت تنحسر، فيجد الطعام ولا يعود.

بعدها يعرف أوتنابشتم أن الخروج أصبح ممكناً. النص الأكادي للوح XI يحفظ ترتيب الطيور بوضوح، كما تعرضه ترجمة أندرو جورج المنشورة عبر SOAS.

وفي سفر التكوين سنجد غراباً ثم حمامة تُرسل أكثر من مرة.

والحمامة تُرسل ثلاث مرات: تعود أولاً، ثم تعود بورقة زيتون، ثم لا تعود. أما الغراب فيخرج ويروح ويجيء حتى تجف المياه، وفق تكوين 8:7.

التفاصيل ليست متطابقة. لكن اجتماع السفينة. الجبل. والطيور المستخدمة لاختبار انحسار الماء. ثم القربان. يجعل المقارنة أكثر تحديداً بكثير من مجرد وجود «طوفان» في ثقافتين.[8][12]

مقارنة حديثة لاختبار الطيور: جلجامش يرسل حمامة وسنونو وغراباً؛ التكوين يذكر غراباً ثم ثلاث إرساليات للحمامة، تعود في الثانية بورقة زيتون. تشابه الوظيفة لا يلغي اختلاف الترتيب
مقارنة حديثة لاختبار الطيور: جلجامش يرسل حمامة وسنونو وغراباً؛ التكوين يذكر غراباً ثم ثلاث إرساليات للحمامة، تعود في الثانية بورقة زيتون. تشابه الوظيفة لا يلغي اختلاف الترتيبمخطط تفسيري حديث من أرشيف إيل · CC BY 4.0 · CC BYالترخيص · مصدر الصورة

ثم يأتي القربان مرة أخرى

بعد أن يخرج أوتنابشتم، يقدم قرباناً على الجبل. ويضع مواد عطرية. ثم تأتي العبارة الشهيرة التي تصف الآلهة وهي تشم الرائحة وتتجمع حول المذبح كالذباب. بعد ذلك يأتي إنليل ويرى السفينة. فيغضب لأن أحداً نجا من الإبادة.

لكن إيا يواجهه وينتقد عقابه الجماعي، ويقول له، بمعنى المقطع، إن كان هناك مذنب فليحمل ذنبه، وإن كان هناك آثم فليعاقب، بدلاً من إبادة الجميع بالطوفان.

وفي النهاية يُمنح أوتنابشتم وزوجته حياة شبيهة بحياة الآلهة ويُنقلان بعيداً عن البشر. هذه النهاية مهمة. لأنها تكشف أن قصة الطوفان الرافدية ليست مجرد قصة نجاة. إنها أيضاً قصة خلاف داخل العالم الإلهي حول العدالة والحكمة وحدود العقاب.

للأسطر اللاحقة على 163، ومنها غضب إنليل والنقاش ومنح الحياة الإلهية، تُراجع ترجمة ألكسندر هايدل، ص 87–88؛ يختلف ترقيمها عن طبعة جورج. لا يكفي رابط SOAS السابق وحده لتوثيق النهاية.[8][9]

ثم يأتي نوح

في سفر التكوين، الإصحاحات 6–9، تظهر البنية نفسها داخل عالم ديني مختلف جذرياً. البشر تكاثروا. لكن المشكلة هنا ليست الضجيج. يقول النص إن شر الإنسان عظم، وإن الأرض امتلأت عنفاً وفساداً. ويظهر نوح في المقابل رجلاً باراً في جيله. فيقرر الله إهلاك العالم بالطوفان، لكنه يأمر نوحاً بصنع فلك. يعطيه الأبعاد. يطلب منه أن يغطيه بالقار. يدخل نوح وزوجته وأبناؤه وزوجاتهم. وتدخل الحيوانات. ثم تغمر المياه الأرض.

وبعد زمن تستقر السفينة على جبال أراراط. وترسل الطيور. ثم يخرج نوح. ويبني مذبحاً. ويقدم قرباناً. ويشم الإله «رائحة الرضارائحة الرضا في لغة القربانتعبير عبري يصف قبول القربان في التكوين 8:21 واللاويين، ولا يثبت وحده أن الإله يحتاج الطعام.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح».

ثم يأتي الوعد بعدم تكرار إهلاك كل حي بالطريقة نفسها، ويتبع ذلك في الطبقة الكهنوتية عهد يشمل نوحاً ونسله وكل الكائنات الحية، وتصبح قوس القزح علامة عليه.

لكن سفر التكوين بصورته الحالية ليس بالضرورة سرداً كُتب دفعة واحدة. فالكثير من النقد الحديث يرى أن قصة الطوفان تجمع تقاليد كهنوتية وغير كهنوتية أقدم، وهو ما يساعد على تفسير اختلاف بعض التفاصيل داخل الرواية نفسها، مثل عدد الحيوانات والتسلسل الزمني للطوفان. ويذهب ديفيد كار إلى أن كلا التقليدين الإسرائيليين تأثر بتقاليد طوفان رافدية أقدم، وخصوصاً أتراحاسيس واللوح الحادي عشر من جلجامش.[10][11][12][13][14]

اثنان من كل نوع... أم سبعة؟

قصة نوح نفسها تحمل مثالاً جيداً على تاريخ تركيبها. في جزء من الرواية يأمر نوح بإدخال اثنين من كل نوع، ذكراً وأنثى. وفي موضع آخر يُطلب منه أخذ سبعة أزواج من الحيوانات الطاهرة، وزوج من غير الطاهرة.

صيغة «سبعة سبعة» في تكوين 7:2–3 تفهم في ترجمات كثيرة سبعة أزواج، مع اختلاف في شرح العدد في تاريخ التفسير؛ ينبغي نقل صيغة النص وتمييزها عن تحليلها.

الفرق ليس بالضرورة خطأ نسخياً.

في التحليل النقدي التقليدي ينتمي هذان التفصيلان إلى طبقتين سرديتين مختلفتين تم دمجهما داخل القصة النهائية.

والأمر نفسه يظهر في الزمن. هناك تقليد يتحدث عن أربعين يوماً من المطر.

وفي المقابل توجد منظومة كهنوتية أكثر تفصيلاً تسجل الشهور والأيام وتقول إن المياه غلبت الأرض 150 يوماً.

هذه من قرائن التحليل النقدي حين تُدرس مع التكرارات والألفاظ والبنية؛ لا يتناقض طول المطر أربعين يوماً مع بقاء المياه 150 يوماً بمجرد اختلاف الرقمين. يناقش ديفيد كار تركيب روايات كهنوتية وغير كهنوتية، مع اختلاف الباحثين في تفاصيل التحرير.[11][14]

الفرق الأكبر ليس في السفينة... بل في سبب الكارثة

عند وضع الروايات جنباً إلى جنب تظهر أوجه التشابه بسرعة. لكن الاختلافات تكشف ما فعلته كل ثقافة بالقصة. في زيوسودرا، سبب الطوفان غير محفوظ لنا بسبب تلف النص. في أتراحاسيس، المشكلة هي تكاثر البشر وضجيجهم الذي يزعج إنليل.

في جلجامش، قرار الآلهة بإرسال الطوفان موجود، لكن سبب القرار لا يُشرح بالتفصيل داخل اللوح الحادي عشر كما يُشرح في أتراحاسيس.

أما في سفر التكوين، فقد أصبحت الكارثة حكماً أخلاقياً الشر. والفساد. والعنف. هذا ليس تفصيلاً صغيراً. إنه يعيد تفسير معنى القصة كلها. في أتراحاسيس، البشر مشكلة لأن عددهم وضوضاءهم يزعجان النظام الإلهي. في التكوين، البشر مشكلة لأن سلوكهم الأخلاقي أفسد الأرض.

أي أن البنية القصصية القديمة بقيت، بينما تغير تفسيرها اللاهوتي بصورة عميقة. ويعد هذا الاختلاف بين سبب الطوفان في أتراحاسيس وسبب الطوفان في التكوين من أكثر الفروق وضوحاً في المقارنة الأكاديمية بين الروايتين.[1][5][8][10]

مخطط مقارنة حديث: سبب طوفان زيوسودرا غير محفوظ، وفي أتراحاسيس الكثرة والضجيج، وفي جلجامش قرار بلا شرح مفصل، وفي التكوين الفساد والعنف. لا تُنقل أسباب رواية إلى أخرى، ولا يثبت التشابه طوفاناً عالمياً
مخطط مقارنة حديث: سبب طوفان زيوسودرا غير محفوظ، وفي أتراحاسيس الكثرة والضجيج، وفي جلجامش قرار بلا شرح مفصل، وفي التكوين الفساد والعنف. لا تُنقل أسباب رواية إلى أخرى، ولا يثبت التشابه طوفاناً عالمياًمخطط تفسيري حديث من أرشيف إيل · CC BY 4.0 · CC BYالترخيص · مصدر الصورة

وفي التكوين لا يوجد إله يحاول إنقاذ الإنسان من إله آخر

هذا أيضاً تحول أساسي. في أتراحاسيس وجلجامش هناك صراع إرادات إلهية. الآلهة تقرر الإبادة. إنكي/إيا ينقذ البطل سراً. إنليل يغضب لأن أحداً أفلت. ثم يدور النقاش بعد الطوفان. أما في سفر التكوين فاختفى هذا التعدد. الإله نفسه يحكم وينقذ. هو الذي يرى الفساد. وهو الذي يقرر الطوفان. وهو الذي يختار نوحاً. وهو الذي يعطي تعليمات الفلك. وهو الذي يغلق الباب. وهو الذي يوقف المياه. وهو الذي يقبل القربان. وهو الذي يقرر ألا يعيد الكارثة.

هذا يعني أن انتقال القصة إلى إطار توحيدي لم يكن مجرد تغيير أسماء الآلهة إلى اسم واحد. كان يحتاج إلى إعادة بناء المنطق الداخلي للقصة. لم يعد من الممكن أن يكون الإله المنقذ يخدع الإله المدمر. أصبحت العدالة والرحمة والعقاب والحفظ كلها داخل إرادة إله واحد.[8][9][10][11][12][13]

القربان نفسه بقي... لكن معناه تغير

هنا نجد مثالاً مذهلاً على بقاء العبارة القديمة مع تغير اللاهوت. زيوسودرا يقدم قرباناً. أتراحاسيس يقدم قرباناً. أوتنابشتم يقدم قرباناً. ونوح يقدم قرباناً.

وفي جلجامش تشم الآلهة الرائحة الطيبة وتتجمع حول الذبيحة لأنها كانت محرومة من القرابين أثناء الطوفان.

وفي سفر التكوين أيضاً يشم يهوهيهوهالاسم الخاص بإله إسرائيل في الكتاب المقدس العبري، وهو مختلف لغوياً في أصله عن إيل.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح «رائحة الرضا».

لكن لا توجد في الرواية العبريةالعبريةلغة سامية شمالية غربية من الفرع الكنعاني، لها مراحل قديمة وحديثة.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح فكرة أن الله جاع أثناء غياب البشر أو أنه يحتاج إلى الطعام لكي يعيش.

الصورة الأدبية بقيت. أما النظام اللاهوتي حولها فتغير.

وتلفت المراجع الأكاديمية إلى هذه المقارنة تحديداً: القربان و«الرائحة الطيبة» مشتركان، بينما الإله في التكوين لا يمر بالأزمة الجسدية التي تمر بها آلهة أتراحاسيس.[8][12][15]

الطيور: تفصيل يصعب تفسيره بالمصادفة وحدها

وجود قصة عن فيضان لا يكفي لإثبات انتقال أدبي. الفيضانات تحدث في أماكن كثيرة من العالم. ومن الطبيعي أن تتخيل ثقافات مختلفة شخصاً ينجو بقارب. لكن كلما أصبحت التشابهات أكثر تحديداً وأقل ضرورة، ازدادت قيمتها. ليس من الضروري لأي قصة طوفان أن تحتوي على سفينة مغلقة. وحيوانات محفوظة. وجبل تستقر عليه السفينة. ثم إرسال طيور لاختبار انحسار الماء. ثم عودة بعضها وعدم عودة الآخر. ثم قربان بعد الخروج.

ثم استجابة إلهية لرائحة القربان. هذه ليست نتيجة تلقائية لفكرة «حدث فيضان». وفي جلجامش لدينا حمامة → سنونو → غراب. وفي سفر التكوين غراب يروح ويجيء → حمامة تعود → حمامة بورقة زيتون → حمامة لا تعود. حتى الترتيب ليس مطابقاً، وهذا مهم. لسنا أمام نسخ كلمة بكلمة. لكننا أمام مجموعة مترابطة من التفاصيل المميزة. ولهذا لا يبني البحث الحديث العلاقة بين التكوين والتراث الرافدي على عبارة «كلاهما فيه ماء».

بل على تراكم بنيوي كامل من التشابهات. وتؤكد الدراسات المقارنة أن أوجه الشبه ينبغي أن تُوزن بحسب خصوصيتها، لا أن تُعد عدداً فقط.[8][12][15]

هل زيوسودرا وأتراحاسيس وأوتنابشتم ثلاثة أشخاص مختلفين؟

داخل النصوص نعم، الأسماء مختلفة.

لكن من الناحية الأدبية يبدو أننا أمام أبطال من عائلة تقليدية واحدة أكثر مما نحن أمام ثلاثة أحداث منفصلة لا علاقة بينها.

زيوسودرا هو بطل النسخة السومرية. أتراحاسيس بطل القصيدة الأكادية التي تحمل اسمه. وأوتنابشتم يؤدي دور بطل الطوفان داخل ملحمة جلجامش.

بل تستخدم قصة جلجامش تسمية أتراحاسيس للبطل أيضاً، ومنها الموضع الذي يصف فيه إيا كشف السر في الحلم في نهاية مشهد الطوفان. تناقش الدراسات اعتماد اللوح الحادي عشر على تقليد أتراحاسيس؛ اختلاف الاسم ليس دليلاً على حادثة مستقلة.

إذن من الخطأ التعامل معها كأننا أمام ثلاث شهادات مستقلة تثبت وقوع الحدث نفسه. جزء من أهميتها يأتي تحديداً من أن النصوص تعيد رواية تقليد سابق.[9][15]

أي قصة أقدم فعلاً؟

هنا يجب التمييز بين ثلاثة أشياء عمر الحدث المفترض داخل القصة. عمر التقليد الذي حفظ القصة. عمر اللوح المادي الذي وصل إلينا.

قد تكون قصة بالسومرية أقدم تقليداً من لوح أكادي، لكن مخطوطتها الموجودة قد تكون متقاربة معه زمنياً.

وقد تكون نسخة جلجامش الموجودة من القرن السابع ق.م، بينما المادة التي تنقلها أقدم بكثير. وقد يكتب سفر التكوين في الألف الأول عن حدث يضعه داخل زمن سحيق سابق لإبراهيم. لذلك لا يمكن ترتيب القصص بحسب زمن أحداثها الداخلية.

الترتيب الآمن تقريباً هو أن التقليد الرافدي المكتوب للطوفان موثق بوضوح في العصر البابلي القديم خلال الألف الثاني ق.م، في كل من قصة زيوسودرا وأتراحاسيس.

ثم لدينا تاريخ طويل لتقاليد جلجامش، وصولاً إلى النسخة البابلية القياسية التي حفظت قصة أوتنابشتم كاملة.

أما قصة التكوين بصورتها الحالية فهي نتاج مسار تأليفي وتحريري في الألف الأول قبل الميلاد، ويذهب قطاع واسع من البحث النقدي إلى أن صورتها المركبة تجمع مواد كهنوتية وغير كهنوتية، وأن كلاً منهما عرف بصورة أو بأخرى تقاليد الطوفان الرافدية الأقدم.

وبالتالي فإن العبارة الدقيقة هي

قصة الطوفان الرافدية مكتوبة ومثبتة نصياً قبل الشكل النهائي لقصة نوح بقرون طويلة، وفي بعض الشواهد بأكثر من ألف عام.

لكن هذا لا يعني أن الباحث يستطيع أن يؤرخ «أول مرة رويت فيها قصة نوح شفهياً». التقاليد الشفهية لا تترك تاريخ إصدار.[1][2][3][14][16]

مخطط حديث يفرق بين زمن أحداث القصة وتاريخ التقليد وعمر النسخة. لوح K.3375 من القرن السابع ق.م لا يؤرخ بداية قصة جلجامش؛ ولا تثبت سومرية زيوسودرا ترتيباً قطعياً قبل أتراحاسيس. الرسم ليس صورة اللوح
مخطط حديث يفرق بين زمن أحداث القصة وتاريخ التقليد وعمر النسخة. لوح K.3375 من القرن السابع ق.م لا يؤرخ بداية قصة جلجامش؛ ولا تثبت سومرية زيوسودرا ترتيباً قطعياً قبل أتراحاسيس. الرسم ليس صورة اللوحمخطط تفسيري حديث من أرشيف إيل · CC BY 4.0 · CC BYالترخيص · مصدر الصورة

هل نسخ كاتب سفر التكوين لوح جلجامش أمامه؟

لا نستطيع إثبات ذلك. وهذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى ضبط.

وجود علاقة أدبية أو تقليدية لا يعني بالضرورة أن كاتباً عبرانياً جلس أمام اللوح XI من ملحمة جلجامش وبدأ يترجمه.

هناك إمكانات مختلفة. قد تكون القصة انتقلت شفهياً. قد تكون هناك نسخ أكادية أخرى. قد تكون وصلت عبر تقاليد وسيطة في سوريا. قد يكون أكثر من نص رافدي أسهم في شكلها. وقد تكون بعض عناصرها دخلت إلى التقليد الإسرائيلي في فترات مختلفة. بل إن المقارنة النصية نفسها تشير إلى أن سفر التكوين لا يشبه جلجامش وحدها. بعض التشابهات الأقوى توجد تحديداً مع أتراحاسيس.

لهذا يرى ديفيد كار أن كلا المكوّنين الرئيسيين لقصة الطوفان في التكوين تشكلا في ضوء تقاليد رافدية سابقة، «خصوصاً» أتراحاسيس واللوح XI من جلجامش، من دون أن يعني ذلك نسخاً مباشراً بسيطاً من مخطوطة واحدة.[14][15]

لماذا أتراحاسيس مهمة أكثر مما توحي شهرة جلجامش؟

لأن الجمهور يعرف جلجامش أكثر. لكن عند مقارنة بناء قصة سفر التكوين، تبرز أتراحاسيس بقوة. كلتا الروايتين تضعان الطوفان داخل تاريخ البشرية الأولى بعد الخلق. في كلتيهما تصبح مشكلة البشرية سبباً لتدخل إلهي جذري. في كلتيهما يُختار رجل واحد للنجاة. وفي النهاية تظهر مسألة ما الذي ينبغي فعله لكي تستمر البشرية بعد الطوفان من دون تكرار الكارثة.

يدافع جون داي عن أن أتراحاسيس أرجح خلفية للرواية العبرية من الاقتصار على جلجامش، مستنداً إلى السياق بعد الخلق وإعلان موعد الكارثة وتنظيم الحياة بعدها. هذا ترجيح بحثي؛ يؤكد ديفيد كار بدوره أهمية تقاليد أتراحاسيس وجلجامش للمكوّنين الكهنوتي وغير الكهنوتي.

إذن حين نقول «قصة نوح تشبه جلجامش»، فنحن نقول شيئاً صحيحاً لكنه ناقص. الأدق هو

قصة نوح تنتمي إلى حوار أدبي مع تقليد طوفان رافدي أوسع، تشكل عبر زيوسودرا وأتراحاسيس وأوتنابشتم وغيرها من الصيغ.[14][15]

التشابه لا يعني أن كل شيء مقتبس

هذه قاعدة ضرورية. حين يتشابه نصان قد يكون السبب خبرة بشرية مشتركة. أو ظاهرة طبيعية متكررة. أو نمطاً قصصياً بسيطاً يستطيع أكثر من مجتمع ابتكاره مستقلاً. أو تقليداً مشتركاً أقدم من النصين. أو انتقالاً غير مباشر عبر جماعات وسيطة. أو اقتباساً أدبياً مباشراً. ولا يستطيع الباحث أن يختار الخيار الأخير فقط لأنه الأكثر إثارة. لإثبات انتقال قصة بين ثقافتين نبحث عادة عن مجموعة من المؤشرات الأسبقية الزمنية

يجب أن يكون المصدر المقترح أقدم أو متاحاً في الزمن المناسب. إمكان الاتصال هل كانت الثقافتان على اتصال فعلي يسمح بانتقال النص أو القصة؟ كثافة التشابه ليس مجرد «طوفان»، بل سلسلة عناصر متطابقة أو متقاربة. خصوصية العناصر كلما كان العنصر أقل توقعاً بصورة مستقلة، كان أكثر قيمة. الترتيب إذا ظهرت العناصر النادرة نفسها بالتتابع نفسه تقريباً، تقوى العلاقة. وجود اختلافات قابلة للتفسير

النص الذي يستعير لا يحتاج إلى أن ينسخ؛ قد يعيد بناء القصة لتوافق عقيدته. وسائط الانتقال نصوص مترجمة، كتبة ثنائيو اللغة، مدارس كتابية، سيطرة سياسية، سبي، تجارة أو انتشار معروف للنص.

وهذه هي الطريقة التي تتعامل بها الدراسات المقارنة الجادة مع الطوفان: تزن أوجه التشابه ولا تكتفي بعدّها، وتحاول التفريق بين الاعتماد المباشر والاعتماد غير المباشر على التقليد الرافدي.[15]

وفي حالة نوح، الاتصال التاريخي ليس افتراضاً بعيداً

اليهود ويهوذا لم يكونوا مجتمعاً معزولاً عن بلاد الرافدين. بل دخلوا بصورة مباشرة في المجال الإمبراطوري الرافدي. وفي 587/586 ق.م دمر البابليون أورشليمأورشليم، القدسأورشليم، المعروفة بالعربية أيضاً بالقدس، مدينة ذات مكانة دينية في اليهودية والمسيحية والإسلامدليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح، ونُقل جزء من سكان يهوذا ونخبتها إلى بابلبابلبابل مدينة قديمة في وسط العراق الحالي، جنوب بغداددليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح. وبقيت الجماعات اليهودية داخل بلاد الرافدين بعد ذلك لقرون. ولا يعني هذا أن قصة الطوفان وصلت إلى اليهود للمرة الأولى سنة 587/586 ق.م. فالاتصالات بين بلاد الشامبلاد الشام، المشرق المتوسطيبلاد الشام، أو المشرق المتوسطي، اسم إقليمي للبلاد الواقعة شرقي البحر المتوسطدليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح وبلاد الرافدين أقدم بكثير.

لكن السبي البابليالسبي البابليترحيلات يهوذية إلى بابل وانهيار المملكة في أوائل القرن السادس ق.م؛ تجربة متعددة المراحل لا تشمل نقل جميع السكان أو عودتهم في وقت واحد.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح والعصر الفارسي يقدمان بيئة تاريخية واضحة يستطيع فيها الكتبة اليهود الاحتكاك بالتقاليد الرافدية بصورة مباشرة.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل التشابه بين التكوين ومرويات بلاد الرافدين مختلفاً عن تشابه عرضي بين أسطورتين تفصل بينهما قارات بلا اتصال معروف.[14][15]

هل يعني هذا أن قصة نوح «نسخة» من جلجامش؟

عبارة «نسخة» فقيرة تاريخياً. لأنها توحي بأن النص العبري لم يفعل شيئاً إلا تبديل الأسماء. وهذا ليس ما نراه. قصة التكوين أعادت بناء المادة داخل رؤية مختلفة. في الروايات الرافدية هناك عدد من الآلهة. تختلف إراداتهم. الإنسان خلق لخدمتهم في أتراحاسيس. الطوفان نتيجة أزمة بين البشر والنظام الإلهي. إله يحذر البطل من قرار آلهة أخرى. الآلهة نفسها تعاني حين تختفي القرابين. في سفر التكوين هناك إله واحد.

فساد البشر وعنفهم هما أساس الحكم. الإله الذي يحكم هو نفسه الذي ينقذ نوحاً. الحيوانات تُحفظ ضمن إعادة إنشاء العالم. القربان لا يطعم إلهاً جائعاً. وتنتهي القصة بعهد بين الإله والبشر والحيوانات، مع علامة كونية هي قوس القزح. إذن حتى عندما يستخدم النص بنية قصصية أقدم، فإنه يستطيع أن يقلب معناها. وهذه ليست مفارقة. هذه إحدى الطرق الأساسية التي تتحرك بها القصص بين الثقافات.[10][12][13][15]

هل كان الطوفان الرافدي نفسه مبنياً على كارثة حقيقية؟

هذا سؤال مختلف عن سؤال الاعتماد الأدبيالاعتماد الأدبيعلاقة يفسَّر فيها تركيب نص باستعمال نص آخر.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح. منطقة جنوب بلاد الرافدين بيئة فيضية بطبيعتها. دجلة والفرات يستطيعان إحداث فيضانات مدمرة، وكانت بعض المدن القديمة معرضة لكوارث محلية هائلة.

يمكن افتراض أن فيضانات محلية كبيرة، ربما في محيط شوروباك، أسهمت في الذاكرة التي تشكل منها التقليد. لكن تعيين فيضان واحد أصلاً للرواية يحتاج إلى ربط مستقل بين التأريخ الأثري والتاريخ النصي؛ لا تحسم المقارنة الأدبية ذلك.

لكن حتى لو ثبت فيضان أثري في مدينة معينة، فلن يثبت وحده أن زيوسودرا شخصية تاريخية، أو أن السفينة كانت بالحجم الموصوف، أو أن الطوفان غطى الكوكب، أو أن هذا الفيضان هو المصدر الوحيد لجميع القصص. الفيضان الأثري يستطيع إثبات أن فيضاناً حدث. أما ربطه بأسطورة محددة فيحتاج إلى أدلة أخرى. وهنا يجب الفصل مرة أخرى بين الحدث الطبيعي و القصة التي بنتها الذاكرة حوله.

هذا تمييز منهجي، لا إعلان عن اكتشاف فيضان عالمي أو تعيين سفينة تاريخية. النصوص الأدبية وطبقات الترسيب نوعان مختلفان من الشواهد.[1][3][14]

أوجه الشبه لا ينبغي أن تخفي الاختلافات

يمكن وضع أهم العناصر جنباً إلى جنب من دون تحويلها إلى تطابق مصطنع. زيوسودرا القرار الإلهي بإهلاك البشر واضح، لكن السبب مفقود. زيوسودرا يُحذَّر. السفينة موجودة، لكن تعليماتها ضاعت في الكسر. الطوفان سبعة أيام وسبع ليالٍ. الحيوانات تنجو. يقدم قرباناً. وفي النهاية يمنح حياة إلهية ويسكن دلمون. أتراحاسيس السبب هو تكاثر البشر وضجيجهم. إنليل يدفع نحو الإبادة. إنكي يحذر أتراحاسيس. ينجو البطل وأسرته وحيواناته. يقدم القربان.

ثم يعاد تنظيم التكاثر البشري كي لا تتكرر المشكلة. أوتنابشتم الآلهة تقرر الطوفان، ولا يشرح اللوح السبب بالتفصيل. إيا يحذر أوتنابشتم. يبني سفينة ضخمة. يحمل أهله وحرفيين والحياة الحيوانية. تستقر السفينة على جبل نيموش. يطلق حمامة وسنونو ثم غراباً. يقدم قرباناً. ويصبح هو وزوجته خالدين. نوح فساد البشر وعنفهم يؤديان إلى الطوفان. الله نفسه يحذر نوحاً وينقذه. الفلك يحمل الأسرة والحيوانات. يستقر على جبال أراراط.

يرسل غراباً ثم حمامة. يقدم قرباناً. ولا يصبح خالداً. بل يبدأ معه عهد جديد، ويستمر الجنس البشري في الموت والحياة بصورة طبيعية. هذه ليست قصة واحدة بلا تغيير. إنها بنية روائية تتغير فلسفتها كلما دخلت نظاماً دينياً جديداً.[1][5][8][9][10][12][13]

والطوفان في جلجامش ليس «أصل» القصة أيضاً

هذا ضروري لأن شهرة جلجامش قد تخدعنا. حين اكتشف جورج سميث لوح الطوفان في القرن التاسع عشر، كان هو الذي أثار المقارنة العالمية مع نوح. لكن جلجامش نفسها ورثت القصة. أتراحاسيس أقدم من النسخة القياسية لجلجامش. وزيوسودرا يمثل تقليداً سومرياً آخر قديماً.

ويذكر متحف متروبوليتان قطعة من تقليد الطوفان عُثر عليها في أوغاريتأوغاريتمدينة ومملكة قديمة في رأس شمرا على الساحل السوري، ازدهرت بين القرن الرابع عشر وبداية الثاني عشر ق.م وحفظت أرشيفات بلغات متعددة.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح في العصر البرونزي المتأخرالعصر البرونزي المتأخرفترة أثرية تقارب 1600–1200 ق.م في أجزاء واسعة من الشرق الأدنى، مع اختلاف إقليمي.دليل المصطلحات · اضغط لقراءة الشرح، ورواية بيروسوس البابلية باليونانية في العصر الهلنستي، المحفوظة عبر نقول لاحقة. هذا انتشار للتقليد، لا سلسلة نقل مكتملة الحلقات.

لذلك فالمشهد التاريخي ليس جلجامش ← نوح. بل أقرب إلى

تقليد رافدي قديم ومتعدد الصيغ ← انتقالات وإعادات كتابة عبر قرون ← إحدى صوره تدخل في تكوين الرواية العبرية.

وقد تكون جلجامش واحدة من أهم الشواهد على هذا التقليد، لا بالضرورة اللوح الوحيد الذي عرفه كاتب التكوين.[7][15][16]

هل نستطيع استخدام كلمة «اقتباس»؟

نعم، لكن بشرط توضيح ما نقصده. إذا قصدنا أن قصة نوح نُقلت حرفياً عن لوح محدد من جلجامش فهذا غير مثبت. أما إذا قصدنا أن رواية التكوين تشكلت في حوار واعٍ أو موروث مع تقاليد الطوفان الرافدية الأقدم فهذه نتيجة تحظى بدعم قوي جداً في الدراسات المقارنة الحديثة.

ديفيد كار يذهب صراحة إلى أن الروايتين الأساسيتين اللتين دُمجتا في طوفان التكوين تبدوان مصوغتين على نموذج تقاليد رافدية أقدم، وخصوصاً أتراحاسيس وجلجامش.

ويرجح جون داي أهمية أتراحاسيس خاصة، بينما يترك تاريخ انتقال التقليد الأقدم ومساره مفتوحين. هذه قراءات مقارنة، وليست وثائق عن كاتب عبري ونسخته المادية.

إذن العلاقة مرجحة بقوة. أما طريق النقل الدقيق فليس معروفاً.[14][15]

ما الذي تستطيع المقارنة إثباته؟

يمكن ترتيب النتائج بوضوح.

مؤكد: قصص طوفان مكتوبة في بلاد الرافدين سبقت الشكل النهائي المعروف لقصة نوح بقرون طويلة، وبعضها يعود في نسخته المحفوظة إلى العصر البابلي القديم في أوائل الألف الثاني ق.م.

مؤكد: زيوسودرا وأتراحاسيس وأوتنابشتم يسبقون نوحاً في السجل النصي المتاح لنا، مع ضرورة التفريق بين تاريخ المخطوطة وتاريخ التقليد.

مؤكد: هناك مجموعة كبيرة من العناصر المشتركة بين الروايات الرافدية والتكوين، تشمل الناجي المختار والسفينة وحفظ الحياة والطوفان والاستقرار بعد المياه والقربان، وفي جلجامش تحديداً الجبل والطيور أيضاً.

مؤكد القصص ليست متطابقة، وأسباب الطوفان ومفهوم الإله والنتيجة النهائية تختلف بصورة جوهرية.

مرجح بقوة: أن قصة نوح تنتمي أدبياً إلى عالم تقاليد الطوفان الرافدية الأقدم، وليست رواية نشأت بمعزل تام عنها.

محتمل أن الانتقال تم عبر أكثر من مرحلة ووسيط، وربما قبل السبي البابلي واستمر أو تعمق خلاله وبعده.

غير مثبت أن كاتب سفر التكوين نسخ مباشرة لوحاً بعينه من ملحمة جلجامش.

غير مثبت أن وجود الروايات المتشابهة وحده يثبت حدوث طوفان عالمي غطى الأرض كلها في تاريخ بشري محدد.[1][3][8][10][12][13][14]

قبل نوح كان هناك طوفان مكتوب

هذه في النهاية هي الحقيقة التي لا تحتاج إلى مبالغة. حين ظهرت قصة نوح في الأدب العبري، لم تكن فكرة

الآلهة أو الإله يدمر البشر بالماء، وينجو رجل مختار في سفينة مع الحياة من حوله، ثم يخرج ويقدم قرباناً

فكرة جديدة في الشرق الأدنى. كانت القصة قد عاشت زمناً طويلاً.

حملت صيغ متقاربة من التقليد أسماء زيوسودرا وأتراحاسيس وأوتنابشتم. لا يثبت ما بقي ترتيباً بسيطاً ينسخ فيه كل اسم الاسم السابق.

وكانت الآلهة قد اختلفت حول البشر. وكانت السفينة قد أبحرت. وكانت الحيوانات قد دخلت. وكانت الطيور قد أُطلقت. وكان القربان قد صعد دخانه إلى السماء. كل ذلك قبل الشكل النهائي لقصة نوح بزمن طويل. لكن هذه الحقيقة لا تجعل قصة التكوين مجرد نسخة عديمة القيمة من قصة أقدم. العكس أكثر إثارة. إنها تسمح لنا بمشاهدة كيف تعمل الذاكرة الدينية. القصة تنتقل. لكنها لا تبقى كما هي. في أتراحاسيس كان البشر كثيرين وصاخبين.

في جلجامش أصبح الطوفان جزءاً من سؤال الخلود.

وفي التكوين أصبح الطوفان حكماً على الفساد والعنف، ثم تحول ما بعده إلى عهد بين الإله والحياة كلها.

بقي الهيكل القديم ظاهراً تحت النص. لكن المعنى تغيّر. ولهذا فإن السؤال التاريخي الأهم ليس هل جاء نوح بعد زيوسودرا وأتراحاسيس وأوتنابشتم؟ ففي السجل المكتوب، نعم. السؤال الأعمق هو

كيف استطاعت قصة وُلدت في عالم متعدد الآلهة أن تعبر قروناً وثقافات ولغات، ثم تظهر من جديد داخل نص توحيدي غيّر سبب الكارثة، وهوية المنقذ، ومعنى النجاة، ومستقبل العلاقة بين الإله والإنسان؟

هنا تصبح قصة الطوفان أكثر من حكاية عن ماء غمر الأرض. إنها أيضاً قصة عن نصوص تعبر الزمن، وكل حضارة تعيد بناء الطوفان على صورة العالم الذي تؤمن به.[1][8][13][14]

المراجع والحواشي

  1. ETCSL، قصة الطوفان السومرية، 1.7.4، جامعة أكسفورد. الترجمة المنشورة كاملة؛ المقاطع A–E. مواضع الكسر ظاهرة؛ اسم متكلم التحذير وسبب القرار غير محفوظين بوضوح. العودة إلى المتن ↑
  2. محمد علي أتاچ، The Flood Myth as Paradigm، 2018. فصل 3، ص 81–101؛ قُرئت مقدمة الفصل والفقرات عن النسخ البابلية القديمة والقياسية، لا الفصل كله ولا تحليل لوحة ماري. العودة إلى المتن ↑
  3. CDLI، P285811، شاهد بابلي قديم لأتراحاسيس. سجل القطعة: العصر البابلي القديم نحو 1900–1600 ق.م؛ إحالة إلى السنة 12 لأمي-صدوقا. تاريخ الفترة لا يؤرخ جميع نسخ الملحمة. العودة إلى المتن ↑
  4. أندرو جورج وفاروق الراوي، Tablets from the Sippar Library VI. Atra-ḫasīs، Iraq 58، 1996، ص 147–190. المقدمة المتاحة/المفهرسة من ص 147: الخلق والتكاثر والوباء والجفاف والمجاعة والطوفان وضبط السكان؛ لم تُقرأ الطبعة كاملة. العودة إلى المتن ↑
  5. روث هوري، إنكي/إيا، ORACC، 2019. قسم خالق البشر وحاميهم: الضجيج ومنع النوم وتحذير أتراحاسيس؛ لا يثبت اسم متكلم الجزء المكسور من زيوسودرا. العودة إلى المتن ↑
  6. متروبوليتان، 86.11.378a، قطعة من تقليد أتراحاسيس. السجل ووصف الوجه والظهر وبيانات الصورة المفتوحة: نحو القرنين السابع–السادس ق.م. يذكر الظهر أوتنابشتم؛ ليست نسخة العصر البابلي القديم. العودة إلى المتن ↑
  7. إيرا سبار، Flood Stories، متحف متروبوليتان، 2009. مقال متحفي مقروء؛ شواهد سومرية وأكادية وانتشار في أوغاريت وبيروسوس. تُراجع نهايات الأبطال في النصوص نفسها؛ لا نساوي خاتمة أتراحاسيس بخلود أوتنابشتم. العودة إلى المتن ↑
  8. أندرو جورج، جلجامش، اللوح XI، الأسطر 1–163؛ مشروع SOAS. النص الأكادي والترجمة المنشورة مقروءان؛ عن طبعة أكسفورد 2003 بتعديلات طفيفة. لا يشمل الرابط غضب إنليل ومنح الخلود بعد السطر 163. العودة إلى المتن ↑
  9. ألكسندر هايدل، The Gilgamesh Epic and Old Testament Parallels، شيكاغو، 1949. ملف الجامعة، ص 78–88؛ خاصة XI ص 87–88: غضب إنليل، اعتراض إيا، أتراحاسيس في الحلم، وحياة البطل وزوجته. ترقيم الأسطر يختلف عن جورج؛ بقية الكتاب لم تُقرأ. العودة إلى المتن ↑
  10. سفر التكوين 6، النص العبري والترجمة الإنجليزية، Mechon Mamre. الشر والفساد والعنف؛ نوح؛ تعليمات الفلك والزوجان. العودة إلى المتن ↑
  11. سفر التكوين 7، النص العبري والترجمة الإنجليزية، Mechon Mamre. 7:2–3 «سبعة سبعة»؛ 7:12 أربعون يوماً؛ 7:16 إغلاق الباب؛ 7:24 مئة وخمسون يوماً. العودة إلى المتن ↑
  12. سفر التكوين 8، النص العبري والترجمة الإنجليزية، Mechon Mamre. 8:4 جبال أراراط؛ 8:7–12 الغراب وثلاث إرساليات للحمامة وورقة الزيتون؛ 8:20–22 القربان والوعد. العودة إلى المتن ↑
  13. سفر التكوين 9، النص العبري والترجمة الإنجليزية، Mechon Mamre. 9:1–17 الحياة والعهد مع الكائنات الحية والقوس؛ 9:29 موت نوح. العودة إلى المتن ↑
  14. ديفيد كار، Precursors to the Flood Narrative، The Formation of Genesis 1–11، 2020، ص 141–177. الملخص العلني المقروء: مكوّنان كهنوتي وغير كهنوتي؛ تقاليد أتراحاسيس وجلجامش أقدم؛ تركيب وإضافات تنسيقية. ليس قراءة للفصل كله. العودة إلى المتن ↑
  15. جون داي، The Mesopotamian Origin of the Biblical Flood Story، 2020. مقال الباحث المقروء: ترجيح أتراحاسيس، وزن التشابهات والتحويل اللاهوتي. فرضيته عن طيور أتراحاسيس في فجوة النص ليست شاهداً محفوظاً؛ طريق الانتقال غير محسوم. العودة إلى المتن ↑
  16. المتحف البريطاني، فهرس لوح الطوفان K.3375. نتيجة الفهرس المفحوصة: مكتبة آشوربانيبال، كويونجق، آشوري حديث، القرن السابع ق.م. لا تؤرخ بداية تأليف القصة. العودة إلى المتن ↑

اقترح تصحيحًا · اقترح مصدرًا لهذا السجل

الاستشهاد بهذا السجل

أرشيف إيل، «الطوفان قبل نوح: من زيوسودرا وأتراحاسيس إلى أوتنابشتم وسفر التكوين»، الإصدار 1، https://ilarchive.com/ar/studies/flood-before-noah